لبنان: حين يتحوّل الوطن إلى قربان الأزمات

بقلم غنوى أبو ضاهر

في كلّ مرة يظنّ اللبناني أنّه بلغ القاع، يكتشف أنّ للأزمات قاعًا أعمق. بلدٌ كان يُعرَف بالحياة والانفتاح والثقافة، تحوّل
تدريجيًا إلى وطنٍ يترنّح تحت وطأة الانهيارات المتراكمة، حتى بات السؤال مشروعًا: هل أصبح لبنان وطنًا يُقدَّم قربانًا على مذبح المصالح والصراعات والأطماع؟

لم تعد معاناة اللبناني مجرّد أزمة اقتصادية عابرة، ولا أزمة سياسية تقليدية يمكن احتواؤها بتسوية مؤقتة. ما يعيشه اليوم هو استنزاف يومي شامل؛ استنزافٌ للكرامة، وللقدرة على الاحتمال، وللإيمان بأنّ الغد قد يكون أفضل. فالعملة تنهار، والمؤسسات تتفكّك، والهجرة تتحوّل من خيار إلى وسيلة نجاة، فيما يقف المواطن وحيدًا أمام واقع يبدو أكبر من قدرته على المواجهة.

ولفهم أعمق لطبيعة ما يجري، يوضح المحامي الأستاذ صالح مقدم لموقع ديموقراطيا نيوز أنّ لبنان لم يصل إلى هذه المرحلة بين ليلة وضحاها، بل عبر مسار طويل من التراكمات السياسية والاقتصادية والأمنية.

ويؤكد في حديثه أنّ لبنان «عاش خلال السنوات الماضية أزمة نظام عميقة أوصلت الدولة إلى مرحلة انهيار خطيرة على المستويات المالية والسياسية والمؤسساتية»، مضيفًا أنّ ما زاد من حدّة الانهيار «إدخال لبنان في حروب وصراعات لا تخدم مصلحة اللبنانيين، وآخرها الحرب الإسرائيلية الأخيرة التي لم تنتهِ بعد، والتي جاءت نتيجة قرارٍ اتُّخذ خارج إطار الدولة ومؤسساتها». ومع ذلك، يشير إلى أنّ «هناك فرصة حقيقية اليوم مع هذا العهد لاستعادة الدولة وهيبتها وتطبيق الدستور واتفاق الطائف فعليًا».

وعن نقطة بداية الانهيار، يرى أنّ «سقوط لبنان الحقيقي بدأ يوم تراجعت سلطة الدولة لمصلحة السلاح غير الشرعي والمحاور الإقليمية، وعندما أصبحت القرارات المصيرية، من الحرب إلى السلم، خارج مؤسسات الدولة، فضلًا عن سنوات طويلة من الفساد والمحاصصة والهدر التي عمّقت الانهيار المالي والاقتصادي».

أما في ما يتعلق بطبيعة الأزمة، فيعتبر أنّها «نتاج تداخل عوامل داخلية وخارجية، لكن المشكلة الأساسية كانت دائمًا في الداخل»، موضحًا أنّه «عندما تضعف الدولة وتغيب المحاسبة، يصبح البلد ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية». ويشير إلى أنّ «ربط لبنان بصراعات المنطقة أدخله في مواجهات وحروب ما زال اللبنانيون يدفعون ثمنها سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا».

وفي سياق تحوّل لبنان إلى ساحة صراعات إقليمية، يشدّد على أنّ «أي قرار بالحرب خارج إطار الدولة يعرّض لبنان كله للخطر»، مؤكدًا أنّ المطلوب اليوم هو «العودة الكاملة إلى منطق الدولة، وحصر القرار الأمني والعسكري بيد الشرعية اللبنانية وحدها».

ورغم قتامة المشهد، لا ينفي وجود بارقة أمل، إذ يعتبر أنّ «الفرصة ما زالت قائمة، خصوصًا مع هذا العهد الذي أعاد التأكيد على السيادة واستعادة الدولة وتطبيق الدستور»، مشددًا على أنّ الإنقاذ يتطلب «قرارات واضحة وتنفيذًا فعليًا، أبرزها حصر السلاح بيد الدولة، وإصلاح القضاء والإدارة».

وفي موازاة الانهيار الاقتصادي، يبرز سؤال أكثر عمقًا: هل الأخطر هو الفقر أم فقدان الأمل؟ ويؤكد أنّ «الأخطر اليوم هو فقدان الأمل بإمكانية بناء دولة حقيقية»، مشيرًا إلى أنّ تراكم الأزمات جعل شريحة واسعة من اللبنانيين تشعر بأنّ مشروع الدولة قد تلاشى. ومع ذلك، يضيف أنّه «لا خيار سوى التمسك بفكرة الدولة واستعادة المؤسسات والسيادة، لأن الاستسلام لليأس يعني القبول بالفوضى والانهيار الدائم».

في المحصلة، لم يعد لبنان مجرّد ضحية لأخطائه الداخلية، بل بات ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. ومع ذلك، ما زال اللبناني يحاول صناعة حياة تشبهه، يتمسّك بتفاصيل الفرح الصغيرة رغم الانهيار الكبير، وكأنّ في داخله مقاومة هادئة ضد الفناء.

لكن تبقى الحقيقة الأشدّ قسوة أنّ الوطن، حين يُترك بلا حماية فعلية، يتحوّل تدريجيًا إلى مساحة خوف دائم: خوف من الغد، من الحرب، من الفقر، ومن المجهول. ويبقى السؤال الأصعب معلّقًا: هل لا يزال هناك من يريد إنقاذ لبنان فعلًا، أم أنّ الجميع بات يتعامل معه بوصفه وطنًا قابلًا للخسارة؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top