
بقلم إلياس عيسى إلياس
في طرابلس، حيث لا تحتاج إلى بذل جهد كبير لسماع صرير السلاح أو تلمّس آثار الرصاص على الجدران العتيقة، يبدو الحديث عن “مفهوم القوة” ترفاً فكرياً يخص أساتذة الجامعات وحدهم.
لكنني كلما تأملت في جدار الانسداد السياسي الراهن، أو عاينت انهيار مؤسساتنا الخدمية والقضائية والمالية، أجدني عائداً إلى قناعة قديمة: إن علتنا الأساسية في لبنان والمنطقة ليست نقصاً في السلاح، بل سوء فهم قاتل وبنيوي لمعنى السلطة والنفوذ.
لقد أدمنت النخب الحاكمة، ومعها شرائح واسعة من الشارع، ربط القوة بحجم الترسانة العسكرية، أو بالقدرة على التعطيل وفرض الإرادة بالإكراه المادي. لكن هذا “الفائض” ليس قوة. التاريخ يعلمنا، والواقع اللبناني منذ عقود يثبت، أن الكيانات التي تأسست على وهج البنادق وحدها سرعان ما تتآكل من الداخل بمجرد أن ينكسر حاجز الخوف في نفوس الناس.
هنا تحديداً، تكتسب أطروحة الفيلسوفة هانا أرندت راهنية قصوى، وهي التي فصلت بوضوح حاسم في كتابها الصادر عام 1970 بعنوان “فيالعنف” (On Violence) بين مفهومين لطالما خلطنا بينهما في أدبياتنا السياسية: القوة والعنف.
ترى أرندت أن الخطيئة الأولى للفكر السياسي المعاصر هي الاعتقاد بأن العنف هو الامتداد الطبيعي للقوة أو أعلى درجاتها. في المقابل، تقدم رؤية مغايرة تماماً: القوة والعنف نقيضان لا يلتقيان، فكلما زاد أحدهما تراجع الآخر حكماً.
القوة، في المنظور الأرندتي، ليست ملكية خاصة لفرد أو حزب أو طغمة حاكمة، فلا يمكن لزعيم سياسي أو قائد ميليشيا أن يستيقظ صباحاً ويقول”أنا أملك القوة” ما لم يكن محاطاً بناس يؤمنون به وبشرعيته. القوة فعل جماعي بامتياز، تشرق فقط عندما يجتمع البشر في الفضاء العام، ويتحدثون بحرية، ويصلون إلى قواسم مشتركة ثم يقررون العمل معاً.
من هنا، فإن شرعية القوة تنبع من التوافق، الإقناع، والرضا الطوعي؛ هي بنية تولد من أسفل إلى أعلى، وتمتلك ديمومة لأنها تستند إلى العقد الاجتماعي. ولعلنا في لبنان، حين ارتضينا “اتفاق الطائف” دستوراً، كنا نبحث عن هذه القوة التوافقية، قبل أن تحولها المحاصصة الطائفية وعقلية الاستقواء إلى هيكل مفرغ من معناه.
على المقلب الآخر، يقبع العنف. وهو في تعريف أرندت مجرد أداة مادية وقسرية تحتاج دائماً إلى وسيط؛ بندقية، أو سوط، أو جهاز أمني، أو حتى قرار تعسفي يُفرض بقوة السلاح. يمتلك العنف بالتأكيد القدرة على تحقيق طاعة فورية، فالخوف من الموت أو التنكيل يجبر أي إنسان على الانصياع الفوري للأمر الواقع.
لكن هذه الطاعة لا تؤسس لسلطة سياسية حقيقية، بل تؤسس لحالة مؤقتة من الرعب الإجرائي. العنف قادر على التدمير، وقادر على إزالة حكومات وتفكيك مجتمعات، لكنه عاجز بنيوياً عن خلق بديل شرعي مستدام يحظى بإجماع الناس وقناعتهم. من فوهة البندقية تنمو الأوامر الفعالة، لكن ما لا يمكن أن ينمو منها أبداً هو القوة السياسية الحقيقية التي تبني الدول وتصون كرامة المجتمعات.
طبعاً، لم تكن أرندت حالمة أو ساذجة؛ فهي لم تنفِ أن العنف قد يكون مبرراً في سياقات معينة كحركات التحرر الوطني ضد مستعمر أجنبي يرفض منطق السياسة أصلاً، لكنها ميزت بدقة بين “مشروعية” العنف المؤقتة في لحظة غياب السياسة، وبين “شرعية” القوة التي تبني الدولة.
خذ مثلاً مشهد الموكب الأمني الضخم الذي يقطع طرقات بيروت يومياً بصحب السلاح والزجاج الداكن؛ يسأل المرء نفسه عفوياً: هل يفرز هذا الاستعراض هيبة حقيقية أم ذعراً دفيناً؟ الجواب واضح في تفاصيل يومياتنا.
هذا “الفائض” الذي تتغنى به قوى محليّة شتى ليس علامة عافية أبداً، هو الإثبات الأكبر على تآكل الشرعية السياسية. اللجوء الدائم للتهديد بالسلاح لحسم خلاف حكومي أو تمرير تسوية هشة يعكس أزمة وعي باطن؛ فالطرف المستقوي يدرك أن الأرض انفضت من تحت قدميه، ولم يتبقَ له سوى القهرالمادي. إنه العنف كقناع زائف لإخفاء العجز عن الإقناع. والنتيجة؟ بلد بلامصارف، وقضاء مشلول، ومؤسسات أشبه بالجثث الهامدة. العنف هنا التهم السياسة وأفرغ الدولة من معناها.
المفارقة الكبرى في مشهدنا الراهن هي أن القوة التوافقية السلمية تصمدفي أحيان كثيرة أمام أعتى آلات العنف. عندما تأملنا شوارع بيروت والساحات في تشرين الأول 2019، رأينا كيف يمكن لمجموعات مدنية عفوية، متسلحة فقط بالرأي العام والحرص على المصلحة العامة، أن تحاصر القرارات الجائرة وتجبر السلطة على التراجع خطوة إلى الوراء.
هذا التراجع يثبت مقولة أرندت بأن العنف يتبدد ويتبخر في اللحظة التي يفقد فيها القدرة على بث الخوف، أو عندما يقرر الناس كسر حاجز الصمت والتحرك معاً؛ فالقوة الحقيقية تظل كامنة في قدرة المجتمع على تنظيم نفسه ذاتياً بعيداً عن أطر الإكراه، وفي قدرة الأفراد على صياغة هوية وطنية جامعة لا تُفرض عليهم بمرسوم أو بتهديد عابر للحدود.
في الختام، يبدو أن الدرس الأرندتي الأثمن الذي يحتاجه صانع القرار، وكل حامل سلاح في هذا الشرق، هو إدراك أن الاستثمار في أدوات العنف هو استثمار في الخراب المؤجل. إن بناء الأوطان، وتحديداً تلك المحكومة بالتعددية كالأنموذج اللبناني، لايمكن أن يستقيم عبر موازين قوى عسكرية متبدلة بتبدل الإمبراطوريات والدعم الخارجي.
القوة الحقيقية والوحيدة التي تدوم هي تلك التي تولد من رحم النقاش الحُر والعلني، ومن صياغة مساحات مشتركة يلتقي فيها المواطنون على قواعدالعدالة والمساواة.
فهل يتعظ هواة “فائض القوة” من دروس التاريخ القريب والبعيد، أم أننا محكومون بإعادة إنتاج المأساة نفسها حتى يدرك الجميع، بعد فوات الأوان، أن من يعش بالسيف ينكشف عار ضعفه السياسي في اللحظة الأولى التي تسقط فيها الغطرسة المادية أمام إرادة الناس المجتمعة؟
