
بقلم راما الجراح
العاصمة التي تحوّلت خلال الحرب إلى مساحةٍ مفتوحة لاستقبال النازحين، تواجه اليوم ارتدادات أزمةٍ لم تعد إنسانية فقط، بل سياسية وإدارية واجتماعية في آنٍ واحد. فبينما تؤكد الحكومة، عبر رئيسها نواف سلام ووزير الداخلية أحمد الحجار ومحافظ بيروت مروان عبود، أن ما جرى يندرج ضمن خطة تنظيمية هدفها منع الفوضى وتوجيه النازحين نحو مراكز الإيواء الرسمية، ترتفع في المقابل أصوات تعتبر أن الدولة رضخت لضغوط سياسية، وأن نقل الخيم من ساحة إلى أخرى لا يعالج أصل الأزمة بل ينقل التوتر إلى قلب العاصمة. في هذا السياق، يتجاوز النقاش حدود الخيم من النايلون أو قطعة الأرض البلدية، ليطرح إشكالية أوسع تتصل بطبيعة إدارة أزمة النزوح، وبما إذا كانت المعالجات الحالية كافية لضبطها ضمن إطار مؤقت، أم أنها تساهم في تكريس واقع يتدرج داخل العاصمة مع مرور الوقت.
وبين الرواية الرسمية التي تتحدث عن تنظيم لوجستي، وبين الأصوات الرافضة، تتكشف هشاشة إدارة هذا الملف. فالأزمة لم تعد مرتبطة فقط بمكان نصب الخيم، بل باتت ترتبط بمخاوف قسم من أهالي بيروت من غياب أي رؤية واضحة تحدد سقفاً زمنياً أو آلية حاسمة تمنع تمدد الأزمة داخل المدينة.
قرار مجحف بحق بيروت
اعتبرت النائب السابقة رولا الطبش أن ما يحصل يشكل قراراً مجحفاً بحق بيروت، معتبرة أن الأملاك العامة في العاصمة ليست تفصيلاً إدارياً يمكن التعامل معه بقرار منفرد، لافتةً إلى أن تبرير بقاء النازحين برفضهم الانتقال إلى مراكز إيواء أخرى لا يكفي لتحميل بيروت وحدها عبء الأزمة، مشددة على أن أهل العاصمة فتحوا بيوتهم وقلوبهم للنازحين، لكن الاستضافة لا يمكن أن تتحول إلى فرض أمر واقع على المدينة.
وفي حديثها لموقع “ديمقراطيا”، تربط الطبش بين مسار إدارة الملف الحالي وبين شعور متزايد لدى جزء من أهالي العاصمة بأن المعالجة تتم وفق ردود فعل ظرفية أكثر مما هي ضمن خطة واضحة ومستقرة. هذا الواقع ينعكس، بحسب ما يُفهم من موقفها، في الإصرار على إبقاء النازحين ضمن بيروت بدل توزيعهم على مراكز إيواء رسمية أو مناطق أخرى خارجها، وهو ما يفتح نقاشاً أوسع حول مفهوم “الحل المؤقت” وإمكانية تحوله إلى واقع دائم في ظل غياب ضمانات زمنية واضحة.
مخاوف من استباحة تدريجية للعاصمة
وتكشف أوساط سياسية لموقع “ديمقراطيا” عن تصاعد القلق داخل بيروت من طريقة إدارة ملف النزوح في ظل ضغوط سياسية كبيرة، في مقاربة تعتبر أن الإشكالية لا تقتصر على نقل الخيم من موقع إلى آخر، بل تتصل بتكريس حضور طويل الأمد في نقاط حساسة مثل محيط الواجهة البحرية والمرفأ.
وتشير هذه الأوساط إلى أن جزءاً من الرأي العام في بيروت ينظر إلى التطورات بوصفها مساراً تدريجياً يعيد رسم علاقة المدينة مع محيطها ومع مفهوم الأملاك العامة، خصوصاً في ظل غياب خطة واضحة تحدد سقفاً زمنياً وآليات إنهائه.
وفي موازاة ذلك، لا تبدو خطوة نقل الخيم من أرض خاصة إلى أرض بلدية كافية لتبديد القلق، بل على العكس، أعادت فتح النقاش حول قدرة الدولة على ضبط هذا الملف ومنع تمدده مستقبلاً، في ظل واقع أمني وإنساني وسياسي شديد التعقيد.
عملياً، نجحت الحكومة في احتواء المشهد على الواجهة البحرية ونقله إلى مساحة أقل حساسية، غير أن جوهر الأزمة بقي مفتوحاً بين مقاربتين، واحدة تعتبر ما جرى خطوة تنظيمية لتفادي الفوضى، وأخرى ترى فيه بداية لتثبيت واقع جديد يصعب التراجع عنه لاحقاً. وبين هذا وذاك، تبقى بيروت في قلب أزمة تتجاوز تفاصيل الخيم إلى سؤال أوسع حول إدارة المدينة وحدود الدولة فيها.
