
بقلم ياسمين شعبان
“الفرحة لا تُوصف. لقد كنا دائماً نعوّل على أن الدولة التي تنعم بالاستقرار والأمن، وفي ظل عهدٍ ناجح، تعمل على إطلاق مشاريع تنموية تخدم جميع أبناء الوطن، لكن رغم كل الظروف نحن نشهد خطوة جبارة للشمال. ولا توجد كلمات قادرة على التعبير عن حجم سعادتنا وسعادة أبناء عكار عندما شاهدنا خطوات جدية نحو استكمال مشروع مطار القليعات وتطويره، إذ إن تشغيله من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في واقع عكار والشمال خلال سنوات قليلة.” بهذه الكلمات عبّر النائب وليد البعريني لموقع “ديموقراطية نيوز”، عن فرحته بإعادة تشغيل مطار القليعات.
يشكّل مشروع إعادة تأهيل وتشغيل مطار القليعات أحد أبرز المشاريع الإنمائية المطروحة على الساحة اللبنانية في المرحلة الراهنة، لما يحمله من أهمية اقتصادية واجتماعية وإنمائية، لا سيما لمنطقة عكار والشمال. فالمطار، الذي ظل خارج الخدمة لسنوات طويلة، يُنظر إليه اليوم كفرصة حقيقية لتحريك عجلة التنمية، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص عمل جديدة، إلى جانب تخفيف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت. ومع تجدد الحديث عن استكمال المشروع، ارتفعت آمال أبناء المنطقة بأن يشكّل المطار بوابة جديدة للنهوض الاقتصادي والتنموي، وأن يسهم في تعزيز حضور الدولة وخدماتها في المناطق التي عانت الإهمال والحرمان لسنوات طوال.
ولكن، كيف يُقرأ هذا المشروع الاستراتيجي في أبعاده السياسية، الأمنية، والإنمائية؟ وما هي الشروط الكفيلة بتحويل هذا الحلم الشمالي إلى واقع ملموس؟
من التأهيل إلى التشغيل المستمر.. تحديات وشروط ترسمها المراد لنجاح المطار
في قراءة تشريحية لواقع المشروع وآفاقه، أكدت رئيسة حزب ١٠٤٥٢، رولا المراد، في حديث لموقع “ديموقراطيا نيوز” أن إعادة افتتاح مطار رينيه معوض في القليعات يتجاوز فكرة النقل الجوي التقليدي، ليمثل مشروعاً إنمائياً استراتيجياً من شأنه أن يغير وجه شمال لبنان ومحافظة عكار على وجه الخصوص إذا ما تم التخطيط له وإدارته بطريقة صحيحة.
وأشارت إلى أن الخطوة الحكومية لإطلاق مشروع التأهيل والتشغيل كانت تستهدف في الأساس تكريس مفهوم الإنماء المتوازن، وتنشيط الدورة الاقتصادية، فضلاً عن تأمين منفذ جوي ثانٍ للبلاد يكسر المركزية الحالية. واعتبرت المراد أن أهمية هذا المطار تكمن أولاً في أبعادها المرتبطة بالأمن الوطني، حيث إن اعتماد لبنان على مطار واحد يشكل ثغرة في أوقات الأزمات والحروب والكوارث، بينما يضمن المطار الثاني استمرار حركتي السفر والإغاثة والتجارة تحت أي ظرف. كما أن الافتتاح ينهي عقوداً من تهميش الشمال وعكار، لتتحول المنطقة للمرة الأولى إلى بوابة جوية حيوية للبنان بدلاً من كونها مجرد منطقة حدودية أو نقطة عبور، مما يعزز موقعها الاقتصادي والسياسي. وأضافت أن المطار سيسهم بشكل مباشر في تخفيف الضغط والازدحام عن مطار بيروت عبر توزيع حركة الركاب والشحن، خصوصاً وأن الخطط الأولية تتحدث عن استيعاب عشرات الآلاف من المسافرين في المراحل الأولى مع التوسع التدريجي في السنوات اللاحقة.
وعن العوائد المتوقعة للمشروع، أوضحت المراد أنها تتنوع بين شق اقتصادي يوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ويجذب الاستثمارات نحو قطاعات الفنادق والمطاعم والنقل والخدمات اللوجستية، ويسهم في رفع القيمة العقارية للأراضي المحيطة، وبين شق سياحي يسهل وصول المغتربين مباشرة إلى مناطق الشمال كعكار والضنية وطرابلس والمنية والبترون، مع إمكانية استقطاب شركات الطيران منخفضة التكلفة لتخفيف أعباء السفر عن المواطنين.
ورسمت المراد رؤية استراتيجية تتطلع من خلالها إلى تحويل التحديات في عكار إلى واقع إيجابي يتخطى مجرد وجود مدرج للطائرات، وذلك عبر ربط المطار بشبكة طرقات حديثة وسريعة تعالج الأزمة الحالية لشبكة المواصلات، وإنشاء منطقة اقتصادية حرة ومدينة أعمال ومؤتمرات، وإقامة مركز للشحن الجوي الزراعي والصناعي، بالإضافة إلى تأسيس معهد أكاديمي لعلوم الطيران والخدمات الجوية، وربطه برؤية لوجستية متكاملة مع مرفأ طرابلس، مع منح الأولوية المطلقة لتوظيف كفاءات وأبناء المنطقة ليكون المطار ركيزة لنهضة شاملة.
وفي المقابل، لم تغفل المراد حجم التحديات التي تواجه هذا الطموح، وفي مقدمتها إقناع شركات الطيران بتنظيم رحلات منتظمة إلى المطار، مؤكدة أن التحضير لبنية المطار وحده لا تكفي دون وجود حوافز اقتصادية وحركة مسافرين تضمن التشغيل المستمر. كما لفتت إلى تحدي المنافسة مع مطار بيروت الذي يمتلك بنية تشغيلية متكاملة، إلى جانب اشتراطات الاستقرار الأمني والسياسي، وتأمين التمويل والاستدامة لتغطية التكاليف. وشددت على ضرورة إرساء إدارة مهنية وشفافة تمنع المحاصصة والفساد المعتادين، وتعمل على تأهيل الكوادر المحلية وتدريب أبناء الشمال للاستفادة من هذه الفرص بدلاً من استقدام خبرات من خارج المنطقة.
وختمت بالدعوة إلى تحقيق توازن دقيق بين التنمية وحماية البيئة والمجتمع المحلي في عكار، معتبرة أن النجاح الحقيقي للمشروع لن يقاس بمجرد هبوط وإقلاع الطائرات، بل بقدرته على خلق فرص عمل حقيقية للشباب والشابات وتحويل المطار من مشروع نقل إلى رافعة إنقاذية للاقتصاد والتوازن الإنمائي في لبنان ككل.
