
بقلم جوزاف وهبه
ما كان للفرحة بإطلاق مطار رينه معوّض – القليعات عكّار أن تأخذ مداها الأقصى، لولا الإعتراض والغضب الذي أصاب قوى الممانعة في البلد، وفي طليعتهم بالطبع جمهور حزب الله حيث وصل بهم الأمر إلى حدّ “الربط الوثيق” بين قيام المطار الثاني في لبنان، والتآمر الرسمي المفترض مع العدو الإسرائيلي لتدمير مطار بيروت، متناسين عن وعي خبيث أو عن غباء مطلق بأنّ العاملين الكبيرين اللذين طالما منعا قيام أيّ مطار ثانٍ في لبنان، قد زالا مع زوال نظام بشّار الأسد في سوريّا، وفي الضعف الذي أصاب المقاومة الإسلاميّة في لبنان جرّاء الإنغماس في حربين مدمّرتين، الأولى إسناد غزّة، والثانية إسناد إيران..ويصحّ القول في هذه الحالة ما جاء في المثل القديم:”مصائب قوم عند قوم فوائد”..وللأسف، أنّ “القومَين” ينتميان إلى بلد واحد، وشعب واحد، ومصير واحد!
وبعيداً عن “النكد” المتدحرج في البلد، والذي يطال السياسة والإقتصاد والعيش المشترك، وبعد هدوء نشوة الإحتفال والتهليل، لا بدّ من بعض التساؤلات الساخنة –الباردة المتعلّقة بواقع المطار الذي يفترض أنّ عجلات طائراته قد تحرّكت بإصرار شديد من قبل كلّ من رئيسيّ الجمهوريّة والحكومة جوزاف عون ونوّاف سلام، بالإضافة إلى دور لافت لوزير الأشغال فايز رسامني:
-هل يلبّي المشروع الأوّلي المقترح لمدّة 4 سنوات مع الشركتين المشغّلتين اللتين رسا عليهما الإلتزام الطموح الكبير إلى اقتصاد كبير ينطلق من عكّار، أو من طرابلس الكبرى على حدّ التعبير الذي دأبت تطلقه غرفة طرابلس والشمال على لسان رئيسها توفيق دبوسي، ويطال كلّ لبنان، بما يجعله رافعة تغيير للبنى السياسيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة القائمة في عكار وغير عكار؟
-ورد “خبر صغير” في وسائل التواصل الإجتماعي بأنّ مكتب أحد نوّاب المنطقة (وما أدرانا عن نوّاب المنطقة..) قد بلغ عدد الطلبات المقدّمة لديه للتوظيف حوالي ألف طلب عمل:فهل ستخضع آليّة التوظيف للتوزيع التقليدي على النوّاب والفعاليّات، ما يحوّل المطار إلى “حديقة خلفيّة” للتخلّف السياسي القائم في المنطقة..أم أنّه سيكون هناك “بقعة ضوء” لمجلس الخدمة المدنيّة وللإختصاصات والشهادات بما يجعل المرفق المنتظر نموذجاً يحتذى للدولة الحديثة؟
-على مسافة كيلومترات من القليعات، تقع النافعة (مركز تسجيل السيارات) في منطقة الفوّار، حيث هناك سيطرة شبه تامّة لمجموعات من محيط النافعة تتحكّم بالعمل الإداري في المؤسّسة الرسميّة:لا سيّارة تدخل دون “الخوّة” ولا معاملة تتيسّر دون المرور بالحلال والحرام الذي يفرضونه ب “المنيح والقبيح” أمام أعين القوى الأمنيّة المتواجدة في المكان، هذا إذا لم نقل أكثر من ذلك..فهل يمكن أن يسقط المطار في قبضة الجوار، كما هي ساقطة مصلحة تسجيل السيّارات؟
-ماذا عن الشركة التي رست عليها المناقصة، وهل هي مؤهّلة للقيام بالمهمّة الكبيرة، وهل صحيح ما يتردّد عن تهم بالفساد تطال أحد أصحابها في التزام آخر في بيروت؟ لا نريد أن نصدّق، وإن كنّا على قناعة تامّة بأنّه “لا دخان بلا نار”، على أمل أن تخيب شكوكنا، ويكون المتّهم بريئاً!
تبقى الطريق المؤدّية من طرابلس إلى المطار، ولعلّها “نصف الموضوع” إن لم نقل كلّ الحكاية.كيف يمكن أن يصل المسافر القادم من البترون أو جبيل أو الكورة وبشري والضنيّة وحتّى طرابلس إلى منطقة القليعات، من دون المرور ب “عجقة البدّاوي” (مطعّمة بأشكال دوريّة من قطع أو التهديد بقطع الطريق..)، ومن ثمّ حاجز دير عمار، وصولاً إلى “أوتوستراد الموت” في المنية (ألم يُسمَّ كذلك لفترة من الزمن!).ومَن يسلم من هذه المحطّات الخطرة، يصل به الأمر إلى مفرق المحمرة (في الأسبوع الماضي، قام شخص واحد – قيل أنّه حشّاش – بقطع الطريق الدوليّة لفترة من الوقت)، ومن ثمّ منطقة العبدة حيث تتقاطع مناطق عكار في ضغط سير عجيب غريب.لا مطار شغّال ومنتعش دون طريق تتجنّب المرور بكلّ هذه العوائق الموضوعيّة المزمنة!
ما نقوله ليس تقليلاً من أهمّية الحدث على أكثر من مستوى، ولكنّه “نداء” من مرارة التجارب الفاشلة المكرّرة، وخوفاً على المطار نفسه من “الأحبّة” الكثر.. ورغبةً في أن يتحوّل هذا الإنجاز الإنمائي – الخدماتي إلى عامل تغيير جذري في الإقتصاد والوعي والثقافة!
