الكورة تحت وطأة “المهل الإدارية”: بدبهون وكفرحزير خارج عن الخارطة

بقلم الياس عيسى الياس

لم يعد السكوت في الكورة مجرد عجز، بل يتعداه ليكون غطاءً غير مباشر تمنحه إدارات بيروت الرسمية عبر بدعة “التمديد”. هناك، فوق تلال فيع، وعفصديق، وبرغون، وبدبهون، وكفرحزير، لا يتوقف هسيس الحفر؛ فالجرارات والكسارات تعمل بلا هوادة. الملف الذي اعتقد الأهالي أنه وضع على سكة الحل أواخر العام الماضي تحت ضغط الشارع، عاد لينفتح على مصراعيه، والذريعة الجاهزة دائماً: “المهل الإدارية المؤقتة”.

في بدبهون، تخطى الأمر مجرد “توسع صناعي” لشركات الترابة المحمية. المعاينة الميدانية تظهر خسارة البلدة لأجزاء تاريخية من جغرافيتها جراء عقود من التفجير الممنهج. جبال بأكملها هبطت لتتحول إلى خنادق سحيقة، والأسوأ أن بيوت الناس باتت معلقة اليوم على حواف جروف اصطناعية شاهقة، ينام أصحابها ويستيقظون على رعب الانهيار مع أي هزة أو شتاء قاسي.

الوضع في كفرحزير لا يقل سوداوية؛ المقالع زحفت حتى تداخلت مع غرف نوم القاطنين، في ضربة علنية لمرسوم تنظيم المقالع والكسارات (8803/2002) ومسافات الأمان التي ينص عليها. هنا، تصدع الجدران بفعل التفجيرات اليومية ليس مجرد شكوى، بل واقع يعيشه السكان وسط غبار كلسي خانق يكسو شجر الزيتون التاريخي. أرقام معهد البيئة في جامعة البلمند حول تلوث الهواء لم تعد مجرد إنذارات أكاديمية، بل تترجمها العيادات المحلية في المنطقة إلى أرقام مرعبة لإصابات الصدر، والأورام الخبيثة التي تفشت في أجساد الكورانيين.

هذا الانفلات البيئي لم يأتِ من فراغ، بل يغذيه تعتيم تشريعي مقصود بدأ منذ تجميد قرار التنظيم المدني رقم 18 لعام 2011 الذي كان يشكل خط الدفاع الأخير عن المنطقة. استُبدل القرار بـ “المهل المؤقتة” المتلاحقة، وهي البدعة الإجرائية التي صُممت خصيصاً للالتفاف على أحكام مجلس شورى الدولة والقرارات القضائية التي حاولت لجم هذه الكسارات. والتوقيت هنا مريب؛ فبينما كانت البلاد غارقة في ترقب التطورات الأمنية والعسكرية الساخنة هذا العام، هُرّبت قرارات إدارية منحت الشركات مهلاً إضافية. استثمار رسمي رخيص لانشغال الرأي العام بملفات وجودية لتمرير صفقات الإسمنت. السراي الحكومي وكواليس وزارة البيئة شهدت في نيسان الماضي كباشاً حاداً حول مقترح لتسهيل المعاملات عبر البلديات، لكن الكباش انتهى كالعادة بتسوية تحت الطاولة.

بيان “المفكرة القانونية” فضح المستور لاحقاً، كاشفاً عن قرارين: الأول يسهل العمل في بدبهون بطلب من وزارة الصناعة، والثاني جاء كملحق”تجميلي” باقتراح من وزارة البيئة. النتيجة؟ غطاء رسمي لشركات الإسمنت في الكورة والبترون والشوف لمواصلة الحفر ونهب الجبال لفترات قد تمتد لعشر سنوات قادمة.
أهالي الكورة واللجان الأهلية يجدون أنفسهم اليوم، دون سند، في مواجهة كارتيل إسمنت مدعوم من عمق السلطة. المعركة الحالية في قرى الشمال لم تعد ترفاً بيئياً أو دفاعاً عن مشهد طبيعي، بل هي معركة بقاء ملموسة: إما أن يرحلوا، أو يدافعوا عن حقهم في تنفس هواء نظيف فوق ما تبقى منأرضهم.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top