وزير الزراعة د نزار هاني لموقع “ديموقراطيا نيوز”: رماد الغارات يلتهم أخضر الجنوب..ومواسمنا في مهب الحرب

بقلم ياسمين شعبان

لم تكن الحرب الدائرة في جنوب لبنان مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى حرب إبادة ممنهجة للبيئة والقطاع الزراعي الذي يشكل شريان الحياة الاقتصادي للمنطقة. بين غارات جوية مدمرة وقصف بالفوسفور الحارق، تحولت آلاف الهكتارات من حقول الزيتون والقمح والحمضيات إلى أراضٍ منكوبة، ليدفع المزارع اللبناني الثمن الأكبر من أمنه واستقراره. وأمام أرقام الخسائر الضخمة والتهجير القسري لآلاف المزارعين، تعيد وزارة الزراعة عبر تقييمها الميداني الأخير رسم خريطة الفاجعة، واضعةً خطط التعافي المؤجلة برسم “وقف فعلي للعدوان”، في معركة صمود صامتة يقودها من تبقى في الأرض.

وفي هذا السياق، وفي حديث خاص لموقع “ديموقراطيا نيوز”، فصّل وزير الزراعة اللبناني الدكتور نزار هاني واقع القطاع بناءً على الأرقام الرسمية الصادرة، مؤكداً أن «ضرر الحرب على القطاع الزراعي كبير جداً»، ومشيراً إلى أن نحو 50% من الأراضي الزراعية في الجنوب تأثرت بشكل مباشر بالأعمال العسكرية ما يعادل 22.5% من اجمالي الاراضي الزراعية في لبنان . وأضاف أن الأضرار توزعت على مختلف الزراعات الموجودة في المنطقة، حيث تضرر أكثر من 50% من أراضي الزيتون، إضافة إلى نحو 29% من أراضي الحمضيات، فضلاً عن أضرار متفاوتة طالت عشرات المحاصيل الأخرى.

حجم الكارثة بالأرقام

تكشف نتائج التقييم السريع للاحتياجات الصادرة عن وزارة الزراعة حجم الكارثة التي أصابت القطاع الزراعي في الجنوب نتيجة الحرب، إذ تضررت نحو 56,264 هكتاراً من الأراضي الزراعية، أي ما يعادل 22.5% من إجمالي الأراضي الزراعية في لبنان. وتوزعت الخسائر على مختلف القطاعات الزراعية، من الأشجار المثمرة إلى المحاصيل الحقلية والبيوت البلاستيكية والثروة الحيوانية، ما انعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي ومصادر رزق آلاف العائلات الزراعية.

خسائر تفوق المليار دولار

وأوضح هاني أن الوزارة أعدّت خلال الأشهر الماضية تقارير دورية ونشرات ميدانية مفصلة توثق حجم الأضرار وتأثير الحرب على كل محصول على حدة، لافتاً إلى أن المعطيات أظهرت ارتفاعاً ملحوظاً في حجم الأضرار خلال الشهرين الأخيرين. وبيّن أن الخسائر والأضرار في القطاع الزراعي تُقدّر بأكثر من مليار دولار، موضحاً أن التقارير تعتمد الفصل بين «الأضرار» التي لحقت بالبنية الزراعية والأراضي والمنشآت، و«الخسائر» الناتجة عن توقف الإنتاج وفقدان المواسم الزراعية، وذلك بهدف توفير صورة دقيقة ومتكاملة عن واقع القطاع.

وتظهر بيانات الوزارة أن الغارات الجوية شكّلت السبب الرئيسي للأضرار المسجلة، إلى جانب الحرائق والقصف بالفوسفور وعمليات التجريف، فيما تصدرت أشجار الزيتون قائمة الزراعات الأكثر تضرراً، تلتها زراعات القمح والتبغ وعدد كبير من الأشجار المثمرة والمحاصيل الموسمية.

مأساة المزارعين والاحتياجات الملحة

وعلى مستوى الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمزارعين، بلغ عدد المزارعين المسجلين ضمن قاعدة البيانات 23,905 مزارعين، فيما وصل عدد المزارعين النازحين إلى 17,887 مزارعاً، في حين يواجه 6,870 مزارعاً صعوبات في الوصول إلى أراضيهم الزراعية. كما أظهرت نتائج المسح أن أبرز الاحتياجات الملحة تتمثل في تأمين المبيدات والأدوية الزراعية، والوقود اللازم لتشغيل أنظمة الري، إضافة إلى الأعلاف ومياه الري ومستلزمات الحصاد.

أما الثروة الحيوانية، فقد تكبدت خسائر جسيمة أيضاً، حيث سُجل تضرر نحو 2.9 مليون رأس من الحيوانات، إضافة إلى تضرر 29,345 خلية نحل من أصل 45,582 خلية تم الإبلاغ عنها، ما يهدد استمرارية عدد من الأنشطة الإنتاجية المرتبطة بالقطاع الزراعي.

خطة التعافي المؤجلة ومعركة الصمود

وفي ما يتعلق بمرحلة التعافي، أشار إلى أن الخطط كانت تستهدف إطلاق خطة واسعة لإعادة تأهيل القطاع الزراعي، إلا أن استمرار الحرب أعاق تنفيذها. وأوضح أن التقييم الذي أُنجز لا يقتصر على رصد الأضرار فحسب، بل يتضمن أيضاً خطة متكاملة لإعادة التأهيل فور توقف الأعمال العسكرية. وتشمل الخطة إعادة تأهيل نحو 1500 بيت بلاستيكي متضرر، إضافة إلى تأهيل نحو 50 محطة ضخ للمياه، نظراً إلى الدور المحوري الذي تلعبه المياه في استمرارية الإنتاج الزراعي، مؤكداً أنه تم تأمين جزء من التمويل اللازم للبدء ببعض أعمال التأهيل فور توافر الظروف المناسبة.

وشدد على أن المزارعين هم الفئة الأكثر تضرراً من استمرار الحرب، إذ إن المزارع الذي يترك أرضه يفقد مصدر دخله الأساسي، في وقت لا يمتلك فيه كثيرون مهنة بديلة عن الزراعة. ومع ذلك، لفت إلى أن عدداً كبيراً من المزارعين لا يزالون صامدين في قراهم وأراضيهم رغم المخاطر والظروف الصعبة.

وأشار في ختام حديثه لـ”ديموقراطيا نيوز” إلى الجهود الاستثنائية التي بُذلت لدعم هذا الصمود، من خلال نقل أعداد
كبيرة من المواشي، ولا سيما الأبقار، إلى مناطق أكثر أماناً، إضافة إلى نقل العديد من المناحل وقفران النحل بعيداً عن مناطق الخطر، موجهاً الشكر إلى الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل” والمزارعين وفرق العمل في الوزارة على التعاون الذي ساهم في الحد من حجم الخسائر والحفاظ على ما أمكن من مقومات الإنتاج الزراعي في الجنوب.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top