
بقلم حنين خلف
لم يكن اتفاق الإطار الذي أُعلن في واشنطن مجرد محطة تفاوضية جديدة بين لبنان وإسرائيل، بل بدا كأنه لحظة فاصلة فتحت الباب على مواجهة سياسية داخلية لا تقلّ أهمية عن البعد الأمني أو الدبلوماسي. فبدلاً من أن يُقرأ الاتفاق كخطوة لخفض التصعيد أو لترتيب قواعد الاشتباك، تعامل معه حزب الله علىأنه تهديد مباشر لما يعتبره جوهر معادلته السياسية والعسكرية، فرفع سقف الرفض إلى الحد الأقصى، ووصَفه قادته بأوصاف من نوع “المشؤوم” و”المذلة” و”العار” و”الاستسلام” و”التنازل عن السيادة”.
هذا الخطاب العنيف لم يكن تفصيلاً لغوياً ولا مجرّد انفعال سياسي. هو رسالة واضحة بأن الحزب يرى في الاتفاق أكثر من مجرد مسار تفاوضي: يرى فيه محاولة لتكريس وصاية أميركية جديدة، وإعادة صياغة شروط الاشتباك بما يضع نزع سلاح المقاومة في قلب أي تسوية مستقبلية. والأهم أن الحزب قرأ في الاتفاق ما يعتبره قلباً للمعادلة، بحيث يصبح الانسحاب الإسرائيلي مشروطاً بتقديم تنازل لبناني مسبق، لا ثمرةً لالتزام الاحتلال بالانسحاب الكامل.
لكن خلف هذا الرفض الصلب، يبرز سؤال أكبر: هل يعكس موقف الحزب وحده؟ أم أن الوسط الشيعي نفسه لم يعد على موقف واحد من هذه المرحلة؟ فالمعطيات السياسية والإعلامية توحي بأن هناك، داخل البيئة الشيعية، من لايريد القفز إلى معركة مفتوحة مع الدولة أو مع المسار التفاوضي، ومن يفضّل مقاربة أكثر براغماتية تقوم على حماية الجنوب ومنع الانهيار قبل أي شيءآخر. وهذا ما يجعل المشهد أبعد من مجرد خلاف على اتفاق، ليصبح مؤشراً إلى تململ داخلي أوسع من اللغة التصعيدية التي يعتمدها الحزب.
في هذا السياق، يكتسب بيان رئيس مجلس النواب نبيه بري أهمية خاصة، ليس فقط لأنه دعا إلى الحذر من الفتنة، بل لأنه وضع الجميع أمام حقيقة أن البلاد واقعة على حافة توتر داخلي جديد. فحين يخرج أحد أبرز أركان النظام السياسي محذّراً من الفتنة، فهذا يعني أن النقاش لم يعد محصوراً في بنود الاتفاق، بل في كيفية منع تحوله إلى شرارة انقسام داخلي أكبر. وهنا تحديداً تتضح حساسية اللحظة: هناك من يريد تحويل الاتفاق إلى مدخل تسوية، وهناك من يراه مقدمة لمواجهة على شرعية السلاح وعلى موقع الحزب داخل الدولة وخارجها.
اللافت في موقف حزب الله أنه لم يكتفِ برفض الاتفاق، بل ذهب إلى توصيفه كغطاء لبقاء الاحتلال، وكوسيلة لتبرئة الولايات المتحدة من التزامها بالضغط على إسرائيل للانسحاب الكامل. كما اعتبر أن ربط الانسحاب بنزع السلاح تجاوز للخطوط الحمراء، وأن المقاومة لن تُسلَّم سلاحها مقابل وعود سياسية أوتفاهمات غير متكافئة. هذا النوع من الخطاب يعكس تمسّك الحزب بمساحةالقرار العسكري، لكنه في الوقت نفسه يضعه في مواجهة مع منطق الدولة التي تحاول، على ما يبدو، أن تنتقل من إدارة الحرب إلى إدارة التهدئة.
أما أخطر ما في هذا المشهد، فهو أن الانقسام لم يعد فقط بين الدولة والحزب، بل داخل البيئة التي يُفترض أنها الأكثر تماساً مع كلفة الحرب. فهناك من يرى الاتفاق استسلاماً، وهناك من يراه فرصة لتفادي المزيد من الدمار، وهناك من يعتقد أن الجنوب دفع ما يكفي وأن استمرار منطق المواجهة المفتوحة لم يعد مقبولاً. هذا التباين، وإن لم يظهر دائماً في العلن، إلا أنه بات جزءاً من الواقع السياسي الذي لا يمكن تجاهله.
من هنا، يبدو أن اتفاق الإطار لم يفتح فقط مساراً تفاوضياً جديداً، بل كشف أيضاً هشاشة التوازنات الداخلية في لبنان، وخصوصاً داخل الوسط الشيعي. فالحزب الذي اعتاد أن يتحدث بصوت واحد وحاسم، وجد نفسه أمام مناخ أكثر تعقيداً مما كان يتوقع، حيث لم يعد من السهل فرض رواية واحدة على الجميع، ولا حتى داخل البيئة القريبة منه. ولذلك فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط حول بنود الاتفاق، بل حول من يملك حق تعريف المصلحة الوطنية، ومن يقرر إنكان لبنان ذاهباً نحو تسوية أم نحو صدام جديد.
وفي نهاية المطاف، قد يكون أخطر ما كشفه اتفاق الإطار ليس ما قيل فيه، بل ما كشفه من تناقضات مكتومة داخل لبنان نفسه. فالحزب أعلن موقفه بوضوح، لكن ما بين السطور يقول إن البلاد مقبلة على مرحلة لا يكفي فيها رفع السقف أو استدعاء لغة التخوين، لأن السؤال بات أكبر: هل يستطيع لبنان أن يحولهذا الاتفاق إلى فرصة سياسية، أم أن الانقسام الداخلي سيجعل منه مجرد محطة أخرى على طريق طويل من التعطيل؟
