“التجمّع الإسلامي الوطني”… ملء للفراغ أم إعادة رسم للمشهد السنّي؟

العقرب – خاص ديموقراطيا نيوز

في وقت تشهد فيه الساحة السنّية حالة من إعادة التموضع السياسي بعد تراجع حضور عدد من المرجعيات التقليدية، برز أخيراً “التجمّع الإسلامي الوطني” كأحد الأطر الجديدة التي أثارت نقاشاً واسعاً حول طبيعة دوره وأهدافه. وترى أوساط متابعة أن ولادة هذا التجمع لا يمكن فصلها عن محاولات متزايدة لملء الفراغ الذي خلّفه غياب شخصيات سياسية وازنة عن المشهد، في ظل بحث قوى وشخصيات جديدة عن موطئ قدم داخل البيئة السنّية.

وبحسب المعلومات، تعود جذور هذا المشروع إلى تجربة “تجمّع عمران” الذي خاض الانتخابات البلدية في طرابلس، مستفيداً من حالة الاعتراض الشعبي على الطبقة السياسية، حيث حقق حضوراً انتخابياً لافتاً، وكان قريباً من قلب الطاولة على اللائحة المدعومة من الكتل والقوى السياسية التقليدية، الأمر الذي فتح نقاشاً داخلياً بين أعضائه حول مستقبل هذا الحراك وإمكان تطويره.

وتفيد مصادر خاصة لموقع “ديموقراطيا نيوز” أن هذا النقاش انقسم بين فريق رأى ضرورة تحويل التجربة إلى إطار سياسي منظم، وفريق آخر فضّل الإبقاء عليها كحراك مدني واجتماعي بعيداً عن التنظيم الحزبي. ومع تعذر التوافق، اتجه عدد من الناشطين إلى تأسيس “التجمّع الإسلامي الوطني”، الذي يضم شخصيات من طرابلس وعكار وبيروت والبقاع والجنوب، في محاولة لإظهار حضوره على امتداد المناطق اللبنانية ذات الغالبية السنّية.

إلا أن أوساطاً متابعة تعتبر أن اختيار الهوية الإسلامية عنواناً للتجمع يطرح علامات استفهام، ليس بسبب الخلفية الدينية لأعضائه، وإنما لأن هذا الخيار، برأيها، ينقل العمل السياسي إلى إطار ديني في بلد يقوم أساساً على التوازنات الطائفية، ويحتاج إلى مشاريع وطنية عابرة للطوائف أكثر من حاجته إلى تكريس الانقسامات القائمة.

وفي هذا السياق، تؤكد المصادر أن الدفاع عن حقوق الطائفة السنّية أو المطالبة بمعالجة أي خلل في التعيينات أو التمثيل داخل مؤسسات الدولة يبقى حقاً مشروعاً، شأنه شأن حقوق سائر المكونات اللبنانية. لكنها تحذر في المقابل من تحويل «المظلومية السنّية» إلى عنوان دائم للاستقطاب السياسي، من دون أن يترافق ذلك مع برنامج واضح للإصلاح وبناء الدولة ومعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تطال جميع اللبنانيين.

كما تشير المعطيات إلى أن لبنان يختلف عن دول المنطقة، وأن أي محاولة لاستنساخ تجارب سياسية أو دينية نجحت في دول أخرى لن تكون بالضرورة قابلة للتطبيق داخلياً، نظراً لخصوصية النظام اللبناني القائم على التعددية والشراكة بين مكوناته.

وتثير هذه المعطيات جملة من التساؤلات حول ما إذا كان توقيت ظهور هذه التجمعات يرتبط بالتحولات التي تشهدها المنطقة، ولا سيما بعد المتغيرات التي حصلت في سوريا، وما إذا كانت بعض القوى تسعى إلى الاستفادة من هذا المناخ لإعادة تقديم نفسها داخل الساحة اللبنانية، من دون الجزم بوجود ارتباط مباشر بين الأمرين.

وفي موازاة ذلك، تفيد المعلومات بأن عدداً من الشخصيات المنضوية في هذه الأطر تُعرف بعلاقاتها مع جهات دبلوماسية عربية وإقليمية، معتبرة أن هذه العلاقات، بحد ذاتها، لا تشكل دليلاً على وجود تبعية أو دعم سياسي، لكنها تستوجب قدراً أكبر من الشفافية، خصوصاً في ظل التوسع السريع لبعض الجمعيات والمنصات ذات الطابع الاجتماعي والإغاثي.

وتشدد أوساط مواكبة على أن من حق الرأي العام معرفة مصادر تمويل أي جمعية أو إطار سياسي جديد، ولا سيما عندما يواكب نشاطه الاجتماعي توسعاً ملحوظاً خلال فترة زمنية قصيرة، مؤكدة أن الشفافية وحدها كفيلة بإبعاد الشبهات وتعزيز الثقة بالعمل العام.

في المقابل، ترجّح أوساط متابعة ألا ينجح أي إطار جديد في احتكار تمثيل الشارع السنّي، معتبرة أن هذا الشارع اتسم تاريخياً بالاعتدال والانفتاح، ولم يلتف بصورة كاملة حول المشاريع ذات الطابع الديني، بل حافظ على تنوعه السياسي والاجتماعي حتى في أصعب المراحل

وفي المحصلة، تبدو الساحة السنّية أمام مرحلة تشهد ولادة أطر وتجمعات جديدة تسعى إلى حجز موقع لها في المشهد السياسي، مستفيدة من الفراغ الذي تعيشه هذه الساحة. وبين من يرى في هذه المبادرات فرصة لإنتاج قيادات جديدة، ومن يعتبرها امتداداً لتحولات إقليمية أو لمحاولات إعادة تشكيل التوازنات الداخلية، يبقى الحكم مرتبطاً بما ستقدمه هذه التجارب من مشاريع وبرامج، بعيداً عن الشعارات والعناوين، وبمدى قدرتها على مخاطبة اللبنانيين بمنطق الدولة لا بمنطق الانقسامات.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top