بقلم جوزاف وهبه

غريب “منطق” إيران – حزب الله، ومعهم فصيل كامل من الإعلاميّين والإعلاميّات، المحلّلين والمحلّلات، وآخرهم – على سبيل المثال – السيّدة رندلى جبّور التي لا تزال تريد “إثباتات” على تورّط المقاومة الإسلاميّة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كما في اغتيال شهداء ثورة الأرز، وصولاً إلى الشهيد الأخير لقمان سليم..والسؤال البديهي:إذا كان قرار المحكمة الدوليّة لا يكفي كدليل صارخ، بالرغم من الإستقصاءات والإستجوابات الطويلة والمتشعّبة ، وإذا كان “التقاعس القسري” للأجهزة الأمنيّة عن القيام بالحدّ الأدنى من التحقيقات (ورقة واحدة أو شاهد واحد على الأقل)  لا يكفي..وإذا كانت القدرة الحصريّة بالحزب على أداء هذا النوع الإحترافي من العمليّات، ولعلّ أبرزها اغتيال المسؤول الأمني رقم واحد العميد وسام الحسن (وقبله وسام عيد وفرانسوا الحاج) لا تكفي أيضاً لإقناع السيّدة جبّور، فمن أين لنا أن نأتي لها بالأدلّة الوافية الشافية، ليس كي تتبنّى مسؤوليّة الحزب في ارتكاب هذه الجرائم، وإنّما أقلّه – ومن باب احترام العقل والموضوعيّة – أن تقبل التعاطي مع اتّهام الحزب بهذه الحوادث كاحتمال، إنطلاقاً من مصلحته المباشرة في ضرب حركة 14 آذار، وربطاً بقيامه في ما سبق بسلسلة اغتيالات في صفوف اليسار اللبناني وفي صفوف المقاومة اللبنانيّة (جمول)، أمثال كريم مروّة ومهدي عامل وسهيل طويلة!

“رندلى” ليست وحدها في ما يمكن تسميته “الإنكار المستحيل”، فنوّاب وقادة الحزب يستكملون مسار اللامنطق في تحميل “الدولة اللبنانيّة” وِزر ما جرى ويجري في الجنوب من قتل وتدمير واحتلالات، وكأنّ الحكومة هي التي فتحت حرب إسناد غزّة، ثمّ أعلنت حرب إسناد إيران، وهي التي فتحت الطريق أمام آلاف “الشهداء – السعداء” إلى القدس..وتتساءل بيانات كتلة الوفاء للمقاومة:أين هو الجيش اللبناني من احتلال الخيام وتلّة علي الطاهر، وأين هو من جرف القرى والبلدات، وأين هو من نسف الأنفاق والسراديب المجهّزة بالضوء والأوكسيجين، وكأنّ هذه الحروب المتلاحقة، وهذه السراديب المذهلة، إنّما “صُنعت” بقرار مشترك ما بين قصر بعبدا والسراي الكبير!

لا تقف سرديّات الممانعة “اللامنطقيّة” عند هذه الحدود، بل تتجلّى في الموقف من المفاوضات المباشرة مع اسرائيل:
“حلال” تفاوض الرئيس نبيه برّي مع العدو برعاية المبعوث الأميركي أموس هوكستين، ما أدّى إلى تنازل شبه مجّاني عن النفط المفترض عند الحدود البحريّة اللبنانيّة – الإسرائيليّة، و”حرام” اللقاءات الرسميّة في واشنطن، ولو أدّت إلى بداية مسار (طويل،أكيد..ومتعرّج، أكيد) يمكن له أن يشكّل شبكة أمان للجنوب ولبنان، كما يمكن له أن يستعيد الأرض المحتلّة (بفعل حروب حزب الله، ليس إلّا، وأن يطلق سراح الأسرى اللبنانيّين (وهي بالأصل مسؤوليّة مَن دفع بهم إلى الأسر..)..وكلّ هذا لا يعني أنّه لا مطامع اسرائيليّة بلبنان وغير لبنان، ولكن هل نرمي النعجة في فم الذئب، ونتساءل:لماذا أكل الذئب النعجة؟

“حلال” على إيران أن تجلس وجهاً لوجه مع قاتل مرشدها الأعلى علي خامنئي (..حتّى قبل مراسم تشييعه الإستعراضيّة) بحثاً عن سلام دائم، و”حرام” على لبنان أن يسعى إلى مفاوضات يمكن لها – إذا ما تهيّأت الظروف الداخليّة والخارجيّة – أن تضع حدّاً لحروب عبثيّة منذ أكثر من نصف قرن من الزمن، ولم تستعد شبراً واحداً من أرض فلسطين السليب، ولم تفتح ممرّاً آمناً للصلاة في القدس وفي المسجد الأقصى، ولم تمحُ الكيان الغاصب من الوجود في 6 دقائق ونصف، وبالطبع لم تُعِد إلى الوطن تلال كفرشوبا ومزارع شبعا، بل وفّرت له الحجج لمزيد من التوحّش، ولمزيد من التوغّل في الأراضي اللبنانيّة، وصولاً إلى تلّة علي الطاهر “درّة” التنسيق العسكري الإيراني –المقاومة الإسلاميّة، حيث يقول المحلّلون (غير الممانعين) أنّ هناك يقبع “كنز” أمنيّ غير مسبوق!

في المحصّلة، أن يتشبّث حزب الله وفريقه الممانع بنظريّات “العين التي تقاوم المخرز” وطيور الأبابيل وسيف المهدي المنتظر، فهذا شأنهم الإيماني – العقائدي، ولكن أن يصرّوا على جرّ الجنوب والشيعة ولبنان إلى أتون هذه الأوهام والإنتصارات الوهميّة، فهذا من شأن الدولة حصراً وواجباً وطنيّاً وأخلاقيّاً أن تختار الطريق الأنسب للخروج من الجحيم، في ظلّ اختلال فادح في ميزان القوى..وبالتالي، من شأن الجميع (نبيه برّي ووليد جنبلاط..وغيرهما) إتاحة المجال للرئيسين جوزاف عون ونوّاف سلام أن “يتجرّعا كأس السمّ” تماماً كما فعل مؤسّس الثورة الإسلاميّة آية الله الخميني حين وافق على القرار 598 قبل عام من وفاته، كنتيجة للهزيمة في حرب إيران مع العراق، وكنتيجة لاختلال ميزان القوى آنذاك:الحروب المتتالية (3 حروب في سنوات معدودة..) لم تنقذنا من فم التنّين، فلنعطِ الفرصة للدولة علّ “تجرّع السمّ” ينقذ ما تبقّى من هذا البلد الممزّق!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top