
بقلم نزار شاكر
لم يعد لبنان، وهو يعبر المنعطف الأكثر خطورة في تاريخه الحديث خلال صيف 2026، منشغلاً بترف السجالات التقليدية حول توازنات المحاصصة أو مصير السلاح، بل إن السؤال الوجودي الذي يفرض نفسه هو “مصير الدولة” ككيان دستوري وميثاقي موحد، فالزلزال الجيوسياسي المحيط بنا لم تقتصر تردداته على الدمار الهائل في بلدات الجنوب، بل إن مركزه الفعلي يمتد إلى دمشق؛ حيث تهاوى بنيان النظام القديم لتتراجع معها المعادلة الثلاثية التي أدارت اللعبة اللبنانية لثلاثة عقود، حين كانت الجغرافيا السورية تؤمن العمق، وطهران تضمن التمويل، ليبقى لبنان مجرد ساحة لتمرير الصفقات الإقليمية.
في هذه البيئة المستجدة، يشير التقرير الخاص بتحولات النظام الإقليمي وديناميات الحدود الصادر عن «مجموعة الأزمات الدولية (ICG)» تحت عنوان «دمشق الجديدة والتوازن اللبناني» (حزيران 2026)، إلى أن تحرك دمشق اليوم بمنطق الدولة الوطنية المنضبطة الباحثة عن شرعية دولية وإعادة إعمار بالمليارات، يُرجّح أن يفك عملياً العقدة اللبنانية الاستراتيجية التي استعصت على الحلول الداخلية. وبذلك، يجد لبنان نفسه محاصراً بين حدين يفرضان إيقاعهما الصارم: براغماتية باردة تنبعث من قصر الشعب بدمشق ممثلة بـ “كرافتة” أحمد الشرع وقرار تحييد جبهته، وعدوان عسكري يمارسه الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب لفرض أمر واقع يتجاوز القوانين الدولية. ولم يعد السؤال هنا يدور حول من ينتصر في المواجهة، بل حول قدرة أي مكون لبناني على مقاومة هذه التحولات، وما إذا كان التكيف العاقل مع الدستور والمواثيق هو الممر الأكثر واقعية لحماية السلم الأهلي ومنع تفكك الكيان.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن البريد الأمريكي المشفّر الذي حمله تصريح الرئيس دونالد ترامب لشبكة “فوكس نيوز”، حين أشار إلى أن التعامل مع ملف الفصائل المسلحة في لبنان سيسلك مسارات أكثر دقة، ودون الحاجة لتدمير العاصمة أو تقويض الهيكل اللبناني بالكامل، هذه الرسالة لم تكن موجهة إلى طهران لتأكيد تراجع زمن التمويل المفتوح فحسب، بل كانت بالدرجة الأولى رسالة للداخل اللبناني ولبيئة الحزب تحديداً، تبيّن أن الحمايات الإقليمية قد تبدلت، وأن العودة إلى وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) وحصر قرار السلم والحرب بيد الشرعية يمثلان الخيار الأكثر أماناً لتفادي الانكسار الميثاقي.
هذا الفهم لحجم المتغيرات حرك الرادارات الحساسة في الداخل؛ فالشارع المسيحي يبدو محكوماً برعب تاريخي من تكرار مغامرات عام 1982، مما يدفعه إلى كبح أي اندفاعة غير محسوبة قد تفجر السلم الأهلي، وفي نفس السياق، يلعب الزعيم الدرزي وليد جنبلاط دور الرادار المبكر، متحركاً في مساحة التمايز لمد شبكة أمان وطنية تمنع سقوط البلاد في فتنة مذهبية، مدركاً أن عزل أو كسر أي مكون هو دعوة لمواجهة تفكيكية لن توفر أحداً. وفي المقابل، تضطلع “دار الفتوى” بدور سقف الميثاق الوطني للطائفة السنية، بالتمسك بخيار الدولة ومؤسساتها، ومنع أي استثمار محلي في انكسار الآخرين.
ويتلازم هذا الحذر الداخلي مع بشاعة المشهد الميداني في الجنوب، حيث يمارس الاحتلال الإسرائيلي عدوانه المفتوح متجاوزاً مفهوم الحزام الأمني التقليدي، ومستبدلاً إياه بما تسميه الأوساط الاستخباراتية والأممية بـ “المناطق التجريبية”. وإذا كان الشريط الحدودي القديم قد اتسم بوجود ديمغرافيا واقتصاد يقاومان للبقاء، فإن النموذج الراهن يمثل تطبيقاً متعمداً لسياسة الأرض المحروقة والتطهير الجغرافي. إسرائيل هنا تقتطع السيادة اللبنانية عنوة في خرق فاضح للقرار 1701، محولة القرى إلى مساحات خالية ومدمرة بالكامل لتجعل منها حقل تجارب لأسلحتها ورأس حربة لابتزاز الدولة اللبنانية. هذا التدمير والتهجير القسري يمثل أداة ضغط استراتيجية يغرسها الاحتلال في خاصرة الجنوبيين بهدف تعرية المقاومة بيئياً وسلبها حاضنتها، مما يضع قيادة الحزب أمام معضلة تتجاوز القدرة العسكرية إلى مواجهة تداعيات تهجير مجتمعي واسع لا يملك أفقاً للعودة السريعة.
أمام هذا الحصار الجغرافي، يبرز السؤال والتحليل الأهم حول قدرة حزب الله على الاستمرار كمنظومة متكاملة إذا جف الشريان المالي واللوجستي الإيراني؛ فالتقديرات الاستراتيجية الصادرة عن «مؤسسة راند (RAND)» في دراستها المخصصة لـ «شبكات التمويل والمرونة التنظيمية للفاعلين غير الحكوميين» (2026)، ترجّح أن ما يقارب 70% من الميزانية التشغيلية للحزب ترتبط مباشرة بطهران. ورغم أن الحزب يمتلك مقومات بقاء ذاتية متمثلة في عقيدته القتالية الصلبة، وتجذره الاجتماعي، وبنيته التحتية المصنعة محلياً في الأنفاق العميقة، إلا أن هذه المقومات قد تبقى عاجزة عن تلبية متطلبات بيئة مدمرة تطالب بالإعمار والاستقرار. وهنا تكمن الخطورة في احتمال الذهاب نحو “سيناريو شمشون”؛ حيث قد يندفع الطرف المخنوق لوجستياً وجغرافياً نحو تفجير الداخل لإعادة فرض نفسه كلاعب لا يمكن تجاوزه، مفضلاً الانتحار العسكري على الاستسلام، وهو ما يضع ميثاق العيش المشترك والدستور أمام امتحانهما الأعظم.
ورغم أن بعض القراءات المقابلة تراهن على قدرة الحزب على الاستمرار عبر اقتصادات الظل وبناء شبكات إمداد غير تقليدية، إلا أن منطق التحولات الكبرى في موازين الجغرافيا يقلل من فرص نجاح هذه الرهانات. فالتحول البراغماتي الذي يقوده أحمد الشرع في سوريا بـ “بدلته وكرافتته” الرسمية تؤشر إلى أن الشرعية الدولية والقبول الإقليمي باتا يُشترَيان بالالتزام بحدود الدولة الوطنية والتخلي عن الساحات المفتوحة للميليشيات. هذه الرسالة التقطها الثنائي الشيعي سريعاً، لتبدأ عملية محاكاة عبر قنوات الرئيس نبيه بري وتصريحات الشيخ نعيم قاسم التي تبدي استعداداً صريحاً للتعامل مع الواقع السوري الجديد. غير أن المؤشرات الحالية تدل على أن دمشق الجديدة، الساعية لإعادة الإعمار والاندماج الدولي، يُستبعد أن تبادل هذا الود بفتح الحدود، بل بـ “احتواء جاف” يفرض شروطاً سيادية؛ أولها تفكيك أي بنية تحتية أو عسكرية للحزب داخل الأراضي السورية وتحديداً في القلمون والقصير وريف دمشق، والالتزام بحدود الـ 10452 كلم²، مقابل تأمين منفذ اقتصادي لدمشق عبر طرابلس والشمال.
ولم تكن كواليس الحراك الدبلوماسي الأخير لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بين بيروت والرياض بعيدة عن هذه الضوابط؛ إذ تشير تقديرات متقاطعة في الأوساط الدبلوماسية والمطلعة على أجواء اللقاءات الإقليمية إلى أن الجانب السعودي أبلغ دمشق بضرورة الالتزام بضوابط صارمة تمنع العبث بالخريطة السياسية السنية في لبنان. وهو ما يفسر عدم إدراج لقاءات مع قيادات سياسية في صيدا ضمن جدول الزيارة، لترسم المملكة بذلك حدود الدور السوري الجديد الذي يجب أن يبقى منضبطاً تحت سقف التنسيق الاقتصادي والأمني المشترك، دون المساس بالتوازنات اللبنانية الحساسة.
من هنا، يُفهم سبب الترجيح بأن القيادة السورية الجديدة تعتمد استراتيجية “المشرط الجراحي” بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة لتصفية نفوذ الحزب في لبنان. فالانزلاق إلى الوحل اللبناني مجدداً يُعد بمثابة انتحار سياسي لدمشق قد يوقظ الخلايا النائمة لداعش وفلول النظام السابق، ويفجر بؤر التوتر الطائفي في السويداء ودرعا والبادية. وبناءً على ذلك، تشير التقديرات الميدانية إلى اتجاه دمشق نحو إغلاق المعابر غير الشرعية، ومصادرة خطوط الإمداد، وتضييق الخناق اللوجستي على نار هادئة بالتعاون الضمني مع المجتمع الدولي وإدارة ترامب، تاركة الحزب محاصراً أمام آلة القتل الإسرائيلية وضغوط الداخل، حتى تتزايد احتمالات نضوج خيار “اللبننة القسرية” والقبول بتسليم السلاح لشرعية الدولة ومؤسساتها.
قد يرى البعض في هذه القراءة مبالغة في الرهان على تحولات دمشق أو في حجم الإنهاك الذي طال الحزب، مفترضين أن عقيدة المقاومة قادرة على ابتكار خطوط إمداد بديلة. وبطبيعة الحال، فإن هذه الفرضية ترتكز على انسداد المسارات الإقليمية الحالية بوجه طهران؛ إذ إن حدوث أي اختراق غير متوقع في المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، أو تعثر تثبيت الاستقرار في دمشق، قد يمنح الحزب هامشاً لإعادة ترتيب خطوط إمداده البديلة، مما يغير إيقاع هذا المسار الزمني والتحليلي. إلا أنه وفي ظل استمرار الواقع الراهن، تبقى الجغرافيا الثابتة وموازين القوى غير مشجعة للقراءات العاطفية؛ فالعمق السوري المفتوح قد يُعتبر مقفلاً بقرار سيادي من دمشق الجديدة، والاعتماد على ممرات بديلة عبر البحر أو الجو ينطوي على صعوبة بالغة في ظل المراقبة الإسرائيلية المكثفة وتطبيق القرار 1701 ووجود قوات اليونيفيل.
واليوم، يقف لبنان والشارع الشيعي تحديداً أمام لحظة الحقيقة. فإما أن تنجح مقاربة وبراغماتية الرئيس نبيه بري المعهودة في إدارة “لعبة الأرانب” (المناورة السياسية القائمة على الاستخراج المتدرج للخيارات والتسويات) لقيادة الطائفة نحو هبوط آمن وتسوية تاريخية تعيد تسليم قرار الحرب والسلم إلى كنف الدولة ومؤسساتها الدستورية وفقاً لاتفاق الطائف وقرارات مجلس الأمن، وإما أن تتغلب جينات العقيدة المتصلبة والرافضة للتنازل داخل الحزب لتذهب بالبلاد نحو الارتطام الكبير بالهيكل اللبناني بأكمله. وعلى الرغم من أن هذه السيناريوهات المطروحة تبقى مرهونة باستمرار المعطيات والموازين الحالية وعدم طروء مفاجآت إقليمية غير محسوبة، يبقى لبنان اليوم محكوماً عليه بالإسراع في الاختيار بين تجرع دواء الدولة ومؤسساتها، أو السقوط في هاوية التدخل الإقليمي والدولي الذي لن يرحم أحداً.
