بقلم جوزاف وهبه

الصورة تبدو “بهيجة” بالرغم من قلق المفاجآت المحلّية وتداعي التطوّرات الإقليميّة.إنّها خطوة على طريق الألف ميل..وما أدرانا ما هي أهوال هذه “الألف ميل” في هذا الشرق الأوسط الهائج الملتهب!ولكن، لا بدّ أن نصرّ على شيء من التفاؤل وسط الحذر والتوتّر وارتباط سلاح حزب الله بالقرار الإيراني ووهن السلطة التاريخي (بكامل أجهزتها السياسيّة والأمنيّة والقضائيّة) جرّاء إرث طويل من التبعيّة، من نفوذ ياسر عرفات والقضيّة الفلسطينيّة، إلى ردع حافظ وبشّار الأسد، وصولاً إلى ما نحن عليه من علاقة عقائديّة – دينيّة – غيبيّة ما بين ثقل الطائفة الشيعيّة في لبنان وأئمّة طهران وحرسها الثوري!يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب انّه “يحبّ لبنان”، وأنّه مع “ازدهار هذا البلد الصغير”، ولكن هل هذا يكفي للخروج من دوّامة الفوضى والموت واللاإستقرار؟ ماذا عن مصالح أميركا عندما يحين وقت المقايضات والبحث فوق وتحت الطاولة عن مغانم وحصص الكبار الكبار؟ ماذا عن إيران التي تستقتل للدفاع عن “درّة قاسم سليماني / المقاومة الإسلاميّة”، وعن استثماراتها بمليارات الدولارات في السلاح والأنفاق والنفوذ والطائفة؟ ماذا عن اسرائيل التي لا تثق إلّا بقوّتها الذاتيّة، وخاصّة أنّ الجيش اللبناني قد أظهر – في ما سبق – خللاً في أدائه، وانحيازاً ضمنيّاً لا يستسيغه نتانياهو وكاتس وكلّ الآلة العسكريّة المسيطرة على ضفاف الليطاني وقلعة الشقيف وتلّة علي الطاهر؟ماذا أيضاً عن الدولة العميقة في لبنان، والتي طالما عرفت كيف تتمدّد فوق “توازنات الحروب الداخليّة” من جهة، وفوق “هشاشة الدولة المركزيّة” من جهة أخرى؟حين يتماهى نبيه برّي مع خطاب “الثنائي الشيعي”، إنّما هو يدرك – بطول خبرته وذكائه الحاد – أنّ نفوذه المديد لا بدّ أن يتأثّر سلباً متى سقط الحزب بالضربة الأميركيّة –اللبنانيّة القادمة على صهوة لقاء البيت الأبيض.هو يدافع عن ديمومة الحزب بنصف قوّته على الأقل، خوفاً على ديمومة مصالحه الأكثر تشعّباً في كافة دهاليز التركيبة اللبنانيّة العجائبيّة الهشّة وغير المستقرّة! وحين يمارس وليد جنبلاط تقلّباته المعهودة:موقف مع بسط سيادة الدولة دون شريك..وموقف مع سلاح حزب الله باسم الوطنيّة والنضال والقوميّة، إنّما يدرك – بسليقته البارعة وبخوفه الأقلّوي الوجودي – أنّ القضاء الناجز على “الدويلة” (وهو له فيها حصّة وازنة) إنّما يقضي على هذه الحصّة، ما يفسّر قفزاته غير المفهومة في أكثر الأحيان!برّي وجنبلاط، كرمزين باللون الأحمر للدولة العميقة في لبنان، لا يكترثان لقوّة أو ضعف حزب الله، ولا لصعود الدولة أو استعادة عافيتها الكاملة، بقدر اكتراثهما بمآل مصالحهما كأصحاب نفوذ تقليدي في الكيان الرجراج القائم منذ نشأة لبنان الكبير، الذي يُحتفى بتطويب “قدّيسه” البطريرك الياس الحويّك!..وماذا عن القوى التي خسرت من صعود الدويلة على حساب الدولة:هل هي تضمن “الربح” داخل التكوين اللبناني المستجد؟في الطائفة المسيحيّة مثلاً، يريد سمير جعجع أن يثبّت مكاسبه داخل التركيبة الموعودة.هو يريد “حصّة الأسد” كونه يرى في نفسه المدافع الأوّل عن صمودها وقيامها، وبالأخصّ على حساب التيّار الوطني الحر الذي يُعتبر – موضوعيّاً – في طليعة الخاسرين، كما كان في طليعة المستفيدين ممّا سمّي “ورقة مار مخايل” والتي شكّلت تعبيراً صارخاً عن الإستسلام الكلّي للدولة أمام هيمنة الدويلة.ربّما يريد سمير جعجع “رئاسة الجمهوريّة” كثمن مستحقّ له في خواتيم تضحياته في سبيل “الجمهوريّة القويّة”!وهكذا يطمح فرقاء الطائفة السنّية، مع عدم القدرة على حجز المقاعد الأماميّة في حلبة الرابحين، بسبب “لا مبالاة” نوّاف سلام بالمراكز والمكاسب والسلطة التي تدوم وتدوم، وبسبب حالة تشرذم القوى الأخرى التي لم تتمكّن، حتّى الساعة، من ملء فراغ “الحريريّة السياسيّة” الممنوعة عن العودة إلى العمل السياسي، حتّى إشعار آخر!..وبعد، هل نتفاءل في حضرة هذا المشهد الضبابي المتشابك؟لا سبيل لنا سوى الإدمان على ذلك:جرعة تفاؤل موضوعيّة، ثمّ جرعة تفاؤل ممكنة..فجرعة تفاؤل ثالثة ورابعة، ولو وهميّة!!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top