
*بقلم خالد صالح*
علمتني الحياة أنه يوجد دائمًا خط دقيق وفاصل بين “التواضع” وهي قيمة عظيمة ومحترمة وبين “الوضاعة” وهي صفة رديئة ورذيلة في الإنسان، هذا الخط الدقيق يُشبه تمامًا الفرق بين “التكبّر” و “الكبرياء” ..هذه المقدّمة ذكّرتني بقصة جميلة للكاتب والأديب البرازيلي “باولو كويلو” من ضمن مجموعة قصصه القصيرة، وهذه القصة وجدتها حقيقة في نسبها له، “كويلو” في هذه القصة يروي أن “السيّدة العذراء” هبطت من السماء في زيارة إلى الأرض لأحد الأديرة وتحمل بين يديها السيّد “المسيح” ..وقف الرّهبان شديدي الفخر في صفٍّ طويل لتكريمها، أحدهم ألقى قصيدة غاية في الروعة والبلاغة، راهب آخر قدّم لها “كتاب مقدّس” مزخرف بالذهب والجواهر النفيسة، وراهب ثالث بدأ يُعدد أمامها أسماء القديسين الذين حملوا تعليمات المسيح بدقة، كان هناك في آخر الصفّ يقف راهبٌ “متواضع” لم تُتَح له الفرصة للدراسة مع كبار الرهبان والحكماء في ذلك الزمن .راهبٌ بسيط ومتواضع جدًا، أبواه من أصولٍ بسيطة جدًّا ومن العاملين في “السّيرك”، وعندما وصل الدور إليه ليقدّم شيئًا أمام “السيّدة العذراء” و”المسيح” بين يديها، حاول الرهبان الذين سبقوه أن ينهوا مظاهر التكريم خوفًا من “الإساءَة” لصورة الدير، وأن يتسبّب هذا “الراهب” البسيط والمسكين بإحراجهم أمام السيدة العذراء وابنها ..لكن هذا الراهب البسيط تمسّك بحقّه بأن يُظهر محبته الشدية للعذراء وولدها، فأخرج من جيبه بضع “برتقالات” وأخذ يرمي بها في الهواء بطريقة بهلوانية كما تعلّم من والده العامل في السيرك، عندها فقط كما يقول “كويلو” ضحك “المسيح الطفل” وصفّق بيديه فرحًا، فمدّت العذراء يديها إلى ذلك الراهب وعهدت إليه بطفلها ليرعاه لبعض الوقت . هذه القصة بسيطة ومؤثرة إذا فكّرت بها عميقًا، البساطة والتواضع قيمتان وفضيلتان عظيمتان وركنٌ أساسيّ في الإنسان، والحقيقة الإنسانية بمجملها ومجتمعاتنا على وجه الخصوص صارت تفتقد لفضيلة “التواضع”، نحن نعيش في مجتمع عنوانه العريض “إنت عارف مع مين عم تحكي”، يعني الأمر يحتاج شيئًا من فضيلة “التواضع” .. جعجع “المتعالي”لعل “سقطة” رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ليست الأولى، وربما إن واصل على تعاليه لن تكون الأخيرة، فهو منذ خروجه من السجن سلك مسارًا انحداريا هائلًا، ولم ينجح لا في “تكتيكه” ولا في “استراتيجيته”، واتخذ منذ الـ 2005 جملة من القرارات وأدلى بالكثير من التصريحات التي فاجأت الجميع وجعلت الكثيرين ينفضّون من حوله، لأن “التواضع” لم يعرف سبيلًا إليه على الإطلاق ..لم تعد لغة “الاستعلاء” ذات جدوى في هذا الزمن، وما يفعله “جعجع” في غالبية إطلالاته الإعلامية هو صعود سلم “التكبّر” بدلًا من الذهاب نحو مساحات التلاقي مع الآخرين تحت مظلة الشراكة الوطنية والتواضع السياسي، يعتبر نفسه “المنظّر” الأكثر صوابية ويعتبر سياسة حزبه الأكثر ديناميكية، رغم أن السنوات الماضية أثبتت “عقم” رؤيته، وأن خطابه المبني على “فوقية” باهتة لم يؤتِ أكله، والدليل الواقعي أنه لا حليف سياسيًا له على طول البلاد وعرضها ..وعلى الرغم من حضوره الإعلامي المكثّف، أخفق “جعجع” في ترجمة هذا الحضور إلى إنجازات سياسية حاسمة، وبعد فشله في الوصول إلى رئاسة الجمهورية رغم تكرار ترشحه أو دعمه الضمني لنفسه، فشل في فرض رؤيته على مستوى تشكيل الحكومات أو اختيار رؤساء الحكومات، وحتى داخل التحالفات التي انخرط فيها، غالبًا ما كان شريكًا ثانويًا لا قائدًا فعليًا ..انفرط عقد الشراكة مع “تيار المستقبل” وساءت العلاقة كثيرًا مع الرئيس سعد الحريري منذ اتصال ما بعد منتصف الليل، وظلّت علاقته مع “الحزب التقدمي الاشتراكي” رهينة التبدلات الداخلية، فيما سقط “اتفاق معراب” بشكل فظيع وهو الذي اعتبره أكبر إنجازاته، فيما بقيت علاقاته مع بقية الأطراف المسيحية تسير بحذر لأنه يريد من الجميع أن يُنصّبه “قائدًا” على الجميع، وأن يجعل من معراب “حجر الأساس” في أي مشروع سياسي . هذا الإخفاق لا يعود فقط إلى ممانعة الخصوم، بل إلى عجز بنيوي عن بناء أكثرية وطنية عابرة للطوائف، وهو شرط أساسي لأي مشروع سياسي مستقر في لبنان، ولأنه يعلم أن الاصطفافات السياسية في لبنان تكاد تكون مقفلة تمامًا في وجهه، أدار “بوصلته” منذ الـ 2019 نحو “السنّة” معتقدًا أنه في غياب المرجعية الشاملة بوسعه أن يُنصّب نفسًا مرجعية لهم وبابًا لخلاصهم .من أبرز سمات تجربة “جعجع” السياسية الفجوة بين الخطاب والنتائج، ففي كل محطة تقريبًا، جرى تسويق الإخفاق على أنه انتصار، سواء عبر الإعلام الحزبي أو عبر خطاب تعبوي موجّه إلى الجمهور، غير أنّ هذا الأسلوب، وإن نجح مرحليًا في شدّ العصب، ساهم على المدى الطويل في إضعاف المصداقية السياسية لدى اللبنانيين الذي اكتشفوا أن ما يقوله “جعجع” ليس أكثر من ذر الرماد في العيون .فالجمهور اللبناني، المنهك بالأزمات، بات أكثر حساسية تجاه الخطاب الشعبوي، وأكثر ميلًا إلى محاسبة القوى السياسية على النتائج الفعلية لا على الشعارات، لهذا ليست مشكلة “جعجع” في كونه خسر معركة هنا أو استحقاقًا هناك، فذلك جزء طبيعي من الحياة السياسية، المشكلة الأعمق تكمن في ثبات الخيارات رغم تغيّر الوقائع، وفي الإصرار على نهج ثبت مرارًا أنّه غير قادر على تحقيق الأهداف المعلنة، وأن لغة “التعالي” و “الاستكبار” صارت بالية، ورغم ذلك يصر على التمسّك بها ..إنّ تجربة “جعجع” تقدّم نموذجًا واضحًا عن كلفة الرهان الخاطئ في بلد معقّد كلبنان، وتُثبت أن “التواضع السياسي” يحقق نتائج مرجوة أكثر بكثير من الرهان على الصدام بدل التسوية، وعلى الخطاب المتوازن بدلًا من الخطاب المبني على ثقافة الاستخفاف والاستهزاء بالآخرين، وهي خيارات لم تُنتج مشروعًا وطنيًا مستقرًا، بل سلسلة من الإخفاقات التي ما زالت تداعياتها حاضرة حتى اليوم ..دكتور “جعجع” .. إن “التواضع” سمة لا يفقهها إلا الراسخون في ثقافة البناء السياسي السليم والتواصل الفعلي مع الآخرين على قاعدة الإحترام المتبادل .. ويبدو من تصريحك الأخير أنك لست منهم ..
