روما بلا نتائج… والتفاوض مستمر

بقلم ياسمين شعبان

بعد ثلاثة أيام من المفاوضات في العاصمة الإيطالية روما، انتهت الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية من دون تسجيل تقدم ملموس في الملفات المطروحة، في وقت بقيت فيه قنوات الحوار مفتوحة رغم التصعيد الإسرائيلي المتزامن مع انعقاد الجلسات. وبين تعقيدات الحدود البرية وملف الأسرى وآلية التحقق من تنفيذ التفاهمات في المناطق التجريبية، يبدو أن المسار التفاوضي يتجه نحو جولات إضافية، وسط دور أميركي محوري وتشابك مع التطورات الإقليمية.

وفي هذا السياق، رأى المحلل السياسي جاد الأخوي، في حديث خاص لموقع “ديموقراطيا نيوز”، أن عدم تحقيق تقدم ملموس خلال ثلاثة أيام من المفاوضات لم يكن أمرًا مفاجئًا، نظرًا إلى شدة تعقيد الملفات المطروحة وارتباطها بقضايا أمنية وسيادية وحدودية تراكمت على مدى عقود.

واعتبر الأخوي أن غياب النتائج الملموسة لا يعني بالضرورة فشل الجولة، بقدر ما يؤكد أن الطريق لا يزال طويلًا، وأن كل طرف لا يزال متمسكًا بسقوفه التفاوضية. وفي المقابل، رأى أن مجرد استمرار الحوار وعدم انهيار المفاوضات يشكل مؤشرًا إيجابيًا، خصوصًا أن البديل قد يكون العودة إلى التصعيد العسكري أو الدخول في حالة من الجمود لا تخدم أيًا من الأطراف. إلا أنه حذّر من المبالغة في اعتبار استمرار الحوار إنجازًا بحد ذاته، مشددًا على أن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد الجولات أو ساعات النقاش، وإنما بقدرة المفاوضات على إنتاج خطوات عملية، سواء لناحية تثبيت الاستقرار على الحدود، أو استكمال الانسحابات الإسرائيلية من النقاط المتنازع عليها، أو إطلاق مسار يعزز سيادة الدولة اللبنانية ويمنع العودة إلى المواجهة العسكرية.

وبحسب الأخوي، فإن جولة روما لم تحقق نتائج ملموسة، لكنها حافظت على قنوات التفاوض مفتوحة رغم الأحداث التي رافقتها، وهو أمر مهم شرط ألا يتحول الحوار إلى غاية بحد ذاته، لافتًا إلى أن اللبنانيين ينتظرون نتائج فعلية تعيد الأمن والاستقرار وتؤسس لمرحلة يكون فيها القرار الأمني والعسكري حصرًا بيد الدولة اللبنانية.

وعن التصعيد الإسرائيلي الذي تزامن مع انعقاد المفاوضات، اعتبر الأخوي أنه ليس جديدًا، بل يندرج ضمن سياسة الضغط العسكري لتحسين الموقع التفاوضي وفرض وقائع ميدانية تمنح إسرائيل أوراق قوة إضافية على الطاولة. وأشار إلى أن الرسالة الأساسية من هذا التصعيد تتمثل في أن إسرائيل لا تفصل بين العمل العسكري والمسار الدبلوماسي، وأنها ستواصل استهداف ما تعتبره تهديدات أمنية إلى حين التوصل إلى ترتيبات تضمن، من وجهة نظرها، أمن حدودها. وفي المقابل، رأى أن التصعيد يحمل رسالة ضغط إلى الجانب اللبناني مفادها أن أي اتفاق يجب أن يترافق مع ضمانات فعلية وآليات قابلة للتنفيذ، لا أن يقتصر على التعهدات السياسية، ما يجعل الميدان حاضرًا بقوة في خلفية العملية التفاوضية.

وفي ما يتعلق بالملفات التي تصدرت الجولة السابعة، من الحدود البرية والأسرى إلى آلية التحقق من تنفيذ التفاهمات في المناطق التجريبية، رأى الأخوي أن آلية التحقق والتنفيذ تشكل العقدة الأساسية في المرحلة الراهنة، لأنها ترتبط مباشرة بمسألة الثقة بين الطرفين. وأوضح أن ملفي الحدود البرية والأسرى يمكن، من حيث المبدأ، التوصل بشأنهما إلى حلول تقنية أو تدريجية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان تنفيذ أي تفاهم على الأرض ومنع العودة إلى التصعيد.

ولذلك، اعتبر أن نجاح المفاوضات لن يُقاس فقط بما يتم الاتفاق عليه، وإنما بمدى القدرة على إنشاء آلية رقابة وضمانات دولية فعالة تكفل الالتزام المتبادل وتحول دون انهيار أي اتفاق في المستقبل.

وعن تأثير العامل الخارجي على مسار روما، شدد الأخوي على أن الدور الأميركي يبقى حاسمًا في هذه المرحلة، باعتبار واشنطن الوسيط والضامن وصاحبة النفوذ الأكبر على مسار المفاوضات. كما أشار إلى ارتباط فرص نجاح المفاوضات بالتطورات الإقليمية والتوازنات الجديدة في الشرق الأوسط، مع التأكيد على ضرورة فصل المسار اللبناني عن الإيراني، وعدم تحويل الملف اللبناني إلى امتداد مباشر للصراعات الأخرى في المنطقة. ورأى أن جوهر القرار يبقى مرتبطًا بالإطار اللبناني – الإسرائيلي والملفات المطروحة بين الطرفين، وإن كان هذا المسار يتأثر بطبيعة الحال بالمشهد الإقليمي الأوسع. وفي هذا الإطار، تبقى قدرة الطرفين على اتخاذ قرارات سياسية حاسمة عاملًا أساسيًا في تحويل الفرصة الدبلوماسية إلى اتفاق قابل للحياة والتنفيذ.

وفي قراءته للمرحلة المقبلة، رجّح الأخوي استمرار المسار التفاوضي، انطلاقًا من إدراك الأطراف أن البديل عنه هو العودة إلى التصعيد العسكري، وهو خيار لا يبدو مرغوبًا في هذه المرحلة. لكنه اعتبر أن من المبكر الحديث عن اتفاق نهائي، إذ لا تزال المفاوضات في مرحلة بناء التفاهمات واختبار النيات ومحاولة إيجاد أرضية يمكن الانطلاق منها نحو خطوات أكثر تقدمًا.

وأوضح أنه في حال استمرار الزخم الأميركي وتوافر الإرادة السياسية اللازمة، قد تنتقل الجولات المقبلة إلى مرحلة أكثر جدية تتضمن خطوات تنفيذية تدريجية على الأرض، بما يسمح بالبناء عليها وصولًا إلى تفاهم أوسع. أما في حال استمرار الخلافات وتعثر معالجة العقد الأساسية، فمن المرجح، بحسب الأخوي، أن تدخل المفاوضات في مسار طويل يكون هدفه إدارة الصراع وخفض احتمالات الانفجار أكثر من الوصول سريعًا إلى حل نهائي، بانتظار نضوج الظروف السياسية والإقليمية اللازمة لتسوية أشمل.

وبذلك، تكون الجولة السابعة قد انتهت من دون نتائج حاسمة، لكنها في الوقت نفسه لم تُسقط المسار التفاوضي. وبين استمرار الضغط العسكري، وصعوبة بناء الثقة، والحاجة إلى ضمانات قابلة للتنفيذ، تبقى الجولات المقبلة أمام اختبار الانتقال من إدارة التفاوض إلى إنتاج نتائج فعلية على الأرض.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top