
بقلم جوزاف وهبه
لم يعد أحد من اللبنانيين ينتظر (أو يهتمّ..) خطب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم.فقد باتت باردة، بليدة، مكرّرة (بلا كاريزما..) تدور حول “فكرة واحدة” تقوم على تحميل الدولة اللبنانيّة (العميلة) مسؤوليّة ما جرى ويجري في الجنوب مع العدو الإسرائيلي، وكأنّ “الثنائي” جوزاف عون ونوّاف سلام هم الذين خاضوا حرب تحرير القدس، ودعوا “المؤمنين والمؤمنات”، أمثال فيرا يمّين وغدي فرنسيس ورندلى جبّور، للتهيّؤ لأجل الصلاة في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وهم الذين أطلقوا صرخات الثأر للخامنئي الأب، وهم الذين بنوا شبكة الأنفاق التي تُسمع أصوات انفجارات تدميرها (وتدمير ما فوقها من بيوت ومدارس وقرى بأكملها، إضافة إلى تدمير الذاكرة والجغرافيا وحدود الدار وإرث الأجداد) وذلك على أيدي الجيش الذي وُعدنا – ذات مرّة – بالقضاء عليه وعلى كيانه المصطنع في ستّ دقائق ونصف الدقيقة، ليس إلّا!
آخر التقارير يتحدّث عن 4500 وحدة سكنيّة متضرّرة في الضاحية الجنوبيّة وحدها، بكلفة تصل إلى 248 مليون دولار فقط لا غير لإعادة الترميم من جديد:من أين سيأتي قاسم وقمّاطي وفضل الله بكلّ هذه الأموال، إذا ما اعتبرنا أنّ الجنوب سيتحوّل إلى “بيوت جاهزة نموذجيّة” يمكن أن تتبرّع بها هذه الدولة، أو تلك الجمعيّة الإنسانيّة!؟
تُرى، هل ينتظر الحزب، بفارغ الصبر الجميل، عائدات مضيقي هرمز وباب المندب، حتّى تقتطع له إيران، ويقتطع له الحوثيّون ما تيسّر من “حصّته” في أموال الجهاد والجهاديين، فيُعيد للبيئة الحاضنة “حقوقها” في المسكن والعمل والعيش الرغيد؟
ليس للحزب ما يفعله في البناء والعمران غير “الوعود” بالمال النظيف، من مطلع آب إلى مطلع أيلول والتشرينين، علماً بأنّه يكاد يوفّر من المساعدات النذر القليل الذي يغطّي الإيجارات المؤقّتة والممدّدة حتّى إشعار آخر!
حتّى في السلاح، لم يعد للحزب ما يفعله، وقد باتت الصواريخ بلا جدوى.كلّ ما يمكن أن يقوم به، هو تفخيخ منزل هنا، وإطلاق “هدهد” هناك.لم يعد هناك من سلاح يهدّ عرش الصهاينة.فالجنود الإسرائيليّون يشاهدون المونديال بجوار النبطيّة، وفوق تلّة علي الطاهر.دخلوا البيوت بلا استئذان، ويدمّرون الحجر والشجر على مرأى من الحرس الثوري وقوّات بدر والرضوان وخيبر واحد وإثنين.لم يعد للحزب ما يفعله “في الميدان”.يدّعي إعطاء مفاوضات الدولة اللبنانيّة “فرصة”، وفي الحقيقة هو العاجز عن اغتنام الفرص والأحداث!
حتّى أسراه، لا يعرف عنهم شيئاً.مفاوضات روما تفتح دفاترهم وأسماءهم.مَن أراد الإطمئنان على ولده، حيّاً في سجون العدو أو شهيداً تحت الركام، يدقّ باب المفاوض سيمون كرم والسفيرة ندى حماده معوّض.هما يعرفان ما لا يعرفه الشيخ نعيم ومحمد رعد والمفتي الجعفري أحمد قبلان:لم يعد للحزب ما يفعله في ملفّ أسراه ومفقوديه..كلّ ما هو قادر عليه لا يتجاوز دور “الصليب الأحمر”، يحصي عدد شهدائه، يلفّ أجسادهم الفتيّة بالقماش الأصفر الفاني، ويردّد عبارات لم تعد تغيّر شيئاً في قسوة عبثيّة الموت وغصّة الأهل والأحبّة:الشهداء السعداء، نزفّ ونهنّئ..والتبريك في أحضان الأولياء، وإلى جوار السيّد والمرشد الأعلى!
وبعد أن تراجع دوره التاريخي في الساحة اللبنانيّة، ها هو الشيخ نعيم قاسم يمدّ يد التعاون إلى النظام السوري الجديد:أين “الوفاء” للحليف الاستراتيجي القابع في صقيع موسكو؟ وما الذي يملكه من أوراق تكون مادّة دسمة للتفاوض مع الرئيس أحمد الشرع؟ لا جواب على ندائه من العاصمة دمشق.ما يمكن أن تقدّمه الدولة اللبنانيّة للنظام في سوريّا (الحدود والضبّاط الهاربون والموقوفون في السجون..) يفوق بكثير ما بات يمكن أن يقدّمه الحزب، الذي لا يزال يصرّ على اعتبار سوريّا ممرّاً لسلاحه وصواريخه ودروناته القادمة من الحشد الشعبي في العراق!
من لبنان إلى سوريّا، لم يعد الحزب يملك ما يفاوض به.خسر الأرض في الجنوب، ويعجز عن سدّ حاجات بيئته الحاضنة النازحة.ولا يتحكّم بسير المفاوضات في واشنطن وروما.ولا يفقه جواباً في أسئلة الأهل عن المفقودين..وفوق كل ذلك، يبقى هو في حالة “ستاند أب” رهن حراك الحرس الثوري في الميدان، ورهن المفاوضات العسيرة ما بين طهران و”الشيطان الأكبر”.
لم يعد الحزب يمتلك زمام المبادرة، وما استدارة الرئيس نبيه برّي صوب بعبدا والسراي، إلّا التعبير الصريح عن تفكّك قوّة “الثنائي الشيعي”، مقابل صعود نفوذ “الثنائي الرسمي” عون وسلام..
لم يعد للحزب ما يفعله، سوى الإعتراف (ولو الضمني) بالخسارة، والعودة إلى أحضان الدولة، بعيداً عن قعقعة السلاح، ونزيف الشباب، وأوهام الإنتصارات الإلهيّة…والسؤال، لم يعد هل يفعل ذلك، بل متى يفعل ذلك؟
