
*خاص – ديمقراطيا نيوز*
في السياسة اللبنانية، قد تنتهي جلسة نيابية بإقرار قانون، فيما تبدأ القصة الحقيقية عند وصوله إلى بعبدا، وهذا تحديداً هو المشهد الذي يفتح عليه قانون العفو العام بعد إقراره في مجلس النواب، فالتوقيع الرئاسي يدخل هنا ضمن مسار دستوري محدد، فيما يبقى السؤال الأهم مرتبطاً بالخطوة التي يمكن أن يتخذها رئيس الجمهورية جوزاف عون إذا قرر عدم السير بالقانون بصيغته الحالية.الخبير القانوني والدستوري سعيد مالك يوضح أن الدستور وضع للرئيس آلية واضحة في التعامل مع القوانين التي يقرها البرلمان، إذ يستطيع رئيس الجمهورية، بعد اطلاع مجلس الوزراء، إعادة القانون إلى مجلس النواب طالباً إعادة النظر فيه ضمن المهلة الدستورية، وعند وصول القانون مجدداً إلى المجلس، يصبح أمام النواب خيار تثبيته عبر التصويت عليه وفق الغالبية التي حددها الدستور.وهنا تبرز نقطة أساسية في المسار، إذ يشير مالك إلى أن إصرار مجلس النواب على القانون بعد إعادته من رئيس الجمهورية يفرض إعادة التصويت عليه، على أساس الغالبية المطلقة من مجموع أعضاء المجلس، أي 65 نائباً على الأقل، وعند استكمال هذه الخطوة ينتقل القانون إلى مرحلة جديدة يصبح فيها نفاذه مرتبطاً بالمهل والآليات الدستورية.وفي حال وصول القانون مجدداً إلى رئيس الجمهورية بعد إقراره بالغالبية المطلوبة، يجد الرئيس نفسه أمام خيارين، إما توقيعه ونشره وفق الأصول، وإما ترك المهلة الدستورية تنقضي من دون توقيع، وفي هذه الحالة يدخل القانون حيز التنفيذ حكماً وفق القواعد التي تحكم عملية إصدار القوانين، الأمر الذي يجعل التوقيع الرئاسي غير كافٍ وحده لتعطيل المسار بعد استكمال شروطه الدستورية.غير أن المشهد لا ينتهي عند هذه النقطة، فمالك يلفت إلى أن نفاذ قانون العفو العام ونشره لا يسقط حق رئيس الجمهورية في سلوك الطريق الدستوري الآخر، إذ يستطيع الرئيس الطعن بالقانون أمام المجلس الدستوري وفق الأصول المعتمدة، وعندها تنتقل القضية من مجلس النواب إلى هيئة دستورية تصبح أمام اختبار مدى انسجام القانون مع أحكام الدستور.وهذه النقطة تحديداً تفتح الباب أمام مرحلة شديدة الحساسية، كون قانون العفو العام يرتبط بملفات سياسية وقضائية واجتماعية واسعة، وأي انتقال له من الساحة التشريعية إلى المجلس الدستوري سيمنح النقاش وجهاً مختلفاً، بحيث تصبح المعركة حول النص نفسه وحدوده ومدى مطابقته للقواعد الدستورية.وفق قراءة مالك، فإن خيار رئيس الجمهورية عدم التوقيع لا يعني سقوط القانون تلقائياً، فالدستور يرسم مساراً يبدأ من إعادة القانون إلى مجلس النواب، ويمر بإعادة التصويت عليه بالغالبية المطلوبة، ثم يتيح نفاذه وفق المهلة الدستورية، مع بقاء باب الطعن أمام المجلس الدستوري قائماً.وبذلك، تصبح الخطوة المقبلة في بعبدا محطة أساسية في مسار قانون العفو العام، إذ خرج القانون من قاعة البرلمان حاملاً قرار النواب، ودخل الآن في المساحة التي يملك فيها رئيس الجمهورية أدوات دستورية متعددة، ما يجعل الأيام المقبلة كفيلة بتحديد اتجاه الملف، بين توقيع يفتح الطريق أمام التنفيذ، أو إعادة نظر تعيد القانون إلى ساحة النجمة، أو مسار دستوري قد ينتهي أمام المجلس الدستوري.
