وليد جنبلاط .. قدره “قدر في هذا المشرق” !!

بقلم خالد صالح

“خمسون ساعة” من القراءة المعمّقة والسفر الطويل بين السطور، اختصرت مسيرة خمسة عقود كاملة من الأحداث الكبرى التي عصفت بوطننا والمنطقة، لهذا لم تكن رحلتي مع “وليد جنبلاط” برفقة “قدر في هذا المشرق .. من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل” باليسيرة أبدًا، فقد وضعنا أمام “حافة النهر”، تلك التي جلس بالقرب منها ينتظر تلك “الجثة” التي ستأخذ معها كل العقد الكأداء التي ضربت مفاصل البلد عن بكرة أبيه ..

بشجاعة لا توصف وضع نفسه أولًا، ووضع كل من يتصفّح هذا الكتاب أمام حقيقة لا يخبرنا بها أحد ونحن في خضم معركة وجودية مترامية الأطراف .. وهي أن الحياة لا تسألنا بعد سنوات ماذا تعلّمت؟، بقدر ما تسألنا ماذا تستطيع أن تفعل؟، فإذ به يُطلعنا على قصة “الخيارات الصعبة” التي كان عليه أن يتخذها طوال عقود خمسة، وما رافقها من تحدّيات، واغتيالات، ومؤامرات، من دون أن يتخلّى عن قناعاته الكبرى، كما جعلنا نستعيد معه المعارك العسكريّة والسياسيّة التي كان عليه أن يخوضها، مرغمًا أحيانًا، ليحافظ على الجبل وعروبته، ومن ثمّ ليصون لبنان ونسيجه التعدّدي والثقافيّ الفريد.

“قدر في هذا المشرق”، ليس مذكرات عائلة ناضلت وقاومت وساومت وتفاهمت وعادت، إنما هو كتاب يوجّه “رأسك” نحو أسلوب تفكير، وطريقة حياة، وكسر لكل الأشكال التي تحمل زوايا حادة، والقبول بـ “الدائرة” كشكل سياسي يحمل لغة داخلية تنعكس على كل موقف أو تصرّف، إضافة إلى القدرة على وضع الأمور في نصابها الصحيح، في وقتها الصحيح، في شكلها الصحيح وبالأسلوب الصحيح، بالرغم من أنه يخلق بداخلك حالة من “الفوضى” كالتي عاشها لبنان منذ تأسيسه وحتى اليوم، لأنه ليس بعثرة للأحداث أو ازدحامها، بل هو حالة عايشها “العقل الجنبلاطي” في البيئة الداخلية والمحيطة، ويقدمها لنا “مضغوطة” مثل “القرص الصلب”، حجم صغير ومعطيات لاحصر لها ..

ثم تأتيك العبارة الثانية تحت عنوان الكتاب الرئيسي “من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل”، المرحلة التي بدأت بـ “الدم” بالنسبة لوليد جنبلاط عقب الاغتيال الآثم لوالده الشهيد المعلّم كمال جنبلاط في 16 أذار 1977، المحطة التي حملت “وليد” إلى قلب المعادلة ثم ركيزة أساسية فيها منذ خمسة عقود، وأرخت عليه أحمالًا كبيرة جدّا، ووضعته في مواقف ثابتة حينًا ومتقلّبة حينًا، لأنه لم يقرأ في كتاب واحد خلال هذا الحقبة، بل كانت “أنتاناته” دائمًا ما تلتقط “إشارات” من هنا وأخرى من هناك تفرض عليه مواقف قد يعتبرها البعض صادمة أو مفاجئة ..

“استشهاد أبي”، هو الفصل الأكثر “وجعًا” في هذه السيرة التاريخية، فعندما أبلغه المحامي “سليمان تقي الدين” نبأ الاغتيال، تملّكه شعور بالذهول والصدمة، فيقول: “منذ ذلك اليوم، لم أعرف طعم الراحة قط”، إذ أدرك “وليد بيك” حينها أن مسارًا مغايرًا قد بدأ، وأن مسيرة من المواجهة السياسية والصدامات العسكرية قد فتحت على مصراعيها، وهو ما أكدته العقود الخمسة التي مضت، لأن “البيك” لم يعد فقط وريثًا لـ “كمال جنبلاط”، بل تحوّل بفعل ديناميته وقراءاته غير التقليدية إلى “ركن” صعب في المعادلة اللبنانية .

بعد الانتهاء من قراءة الكتاب ، تشعر أنك أمام مجموعة هائلة من الأحداث لم تعد قابعة في خزائن الأسرار أو تُصنّف في خانة الوثائق التاريخية السرّية، بل تجد نفسك أمام سردية مألوفة سبق أن سمع معظم عناصرها في مقابلاته الصحافية وخطبه السياسية ومواقفه التي راكمها على مدى عقود، فـ “البيك” لا يسعى إلى إعادة كتابة تاريخ لبنان بقدر ما يعيد ترتيب رؤية صاحبه لذلك التاريخ، ويجمعها في نص واحد متماسك، وفق تسلسل زمني، يُساعد على ربط الأحداث بسياق أوضح، وهنا بيت القصيد.

غير أن هذا الانطباع لا ينتقص من قيمة الكتاب، بل يحدد موقعه الحقيقي، فهذا العمل يُعتبر شهادة سياسية يكتبها أحد أبرز صناع الأحداث وشهودها، ومن هنا، لا تكمن أهميته في اكتشاف وقائع جديدة، بل في جمع رؤية متكاملة للحروب اللبنانية، وللتحالفات المتبدلة، وللتناقضات التي طبعت الحياة السياسية، كما يراها أحد أبرز الفاعلين فيها.

يتنقل “البيك” بين الماضي والحاضر، رابطًا الحرب الأهلية بالتحولات الإقليمية والأزمات اللبنانية المتعاقبة، ليخلص إلى أن لبنان عاش تاريخًا من التسويات الموقتة أكثر مما عرف استقرارًا دائمًا، وهو، في هذا السياق، يختصر مسارًا سياسيًا وفكريًا امتدّ لعقود، ويتيح للباحث عن المعرفة متابعة تطور نظرة وليد جنبلاط إلى لبنان وإلى موقعه في المشرق، وإعادة قراءة محطات عاشها بوصفه مشاركًا في صنعها، لا مجرد راوٍ لها.

ولا يختلف “قدرٌ في هذا المشرق” عن تقليد لبناني طويل في كتابة الشهادة السياسية، فمنذ الرئيس بشارة الخوري في “حقائق لبنانية”، مرورًا بالرئيس شارل حلو في “حياة في ذكريات”، والرئيس كميل شمعون في مذكراته، وسامي الصلح في “لبنان: العبث السياسي والمصير المجهول”، وصائب سلام في أجزائه المتعددة، وصولًا إلى الرئيس أمين الجميّل في “الرئاسة المقاومة”، والوزير الراحل سجعان قزي في “وطن في العناية الدائمة” والخاتمة كانت مع الوزير “باسم السبع” في “لبنان في ظلال جهنم .. من اتفاق الطائف إلى اغتيال الحريري .. ظل السياسي اللبناني يشعر، بعد خروجه من السلطة أو ابتعاده عنها، بالحاجة إلى كتابة روايته الخاصة للأحداث، وكأن التاريخ الرسمي لا يكتمل إلا بصوته.

قد نحتاج إلى قراءة ثانية وثالثة لهذا العمل، لإعادة ربط الأحداث وتقلباتها بشكل دقيق، لاسيما ونحن على أبواب “السلام المستحيل” رغم أننا لم نخرج فعليًا بعد من “الحرب الأهلية” التي نعيشها بأشكال مختلفة غير الصراع المسلّح، لأننا نحتاج إلى فهمٍ معمّق لهذا “القدر” كي نطلع عن كثب على حقيقة الأمور التي دفعت بـ “وليد جنبلاط” إلى الكثير من المواقف التي اتخذها ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top