
بقلم راما الجراح
أثار القرار الأخير المتعلق بوقف رحلات العمرة براً وحصر سفر المعتمرين اللبنانيين جواً، إلى حين تنظيم الرحلات البرية، موجة من الجدل في لبنان، بين من رأى فيه خطوة ضرورية لضبط القطاع وحماية المعتمرين بعد الحوادث التي شهدتها طرق السفر، وبين من اعتبر أن حصر السفر بالطيران يرفع كلفة العمرة ويجعلها أكثر صعوبة أمام ذوي الدخل المحدود، فيُنظر إلى القرار على أنه يمسّ بالفئات الأكثر قدرة على الاستفادة من خيار السفر براً.لكن خلف هذا الجدل الاجتماعي والمالي، يبرز ملف آخر أكثر تعقيداً يتعلق بآلية تنظيم رحلات العمرة البرية، والجهات التي تتولى نقل المعتمرين، وشروط السلامة، وساعات قيادة السائقين، وصولاً إلى المسؤولية القانونية والتأمينية عند وقوع الحوادث.يوضح رئيس هيئة رعاية شؤون الحج والعمره في لبنان القاضي محمد مكاوي أن الهيئة كانت قد تلقت في الفترة الماضية معلومات متكررة عن لجوء بعض الشركات إلى الالتفاف على القرارات المنظمة لرحلات العمرة، سواء الصادرة في لبنان أو في المملكة العربية السعودية، عبر إرسال المعتمرين براً من خلال شركات في الأردن. ويقول إن الهيئة، حرصاً منها على إبقاء منفذ أمام الراغبين في أداء العمرة، غضّت النظر عن هذه الممارسات ولم ترغب في التدخل بصورة قد تؤدي إلى منع الناس من السفر. لكن الحادثة الأخيرة، وما نتج عنها من ضحايا، دفعت الهيئة إلى إعادة النظر في هذا الواقع، بعدما أظهرت، بحسب المكاوي، أن المسألة تجاوزت مجرد مخالفة تنظيمية لتصل إلى مستويات من الإهمال لا يمكن التغاضي عنها.ويشير مكاوي إلى أن الحادث، من حيث المبدأ، يبقى قضاءً وقدراً، لكن البحث في أسبابه يكشف، بحسب قوله، استهتاراً غير مقبول. ويلفت إلى الوضع السيئ للحافلة، متسائلاً عن كيفية اعتماد وسيلة نقل تفتقر حتى إلى الصيانة الأساسية، ومنها وجود حمّام منزوع من الحافلة، معتبراً أن هذه التفاصيل تطرح علامات استفهام جدية حول مدى إجراء الفحوص الميكانيكية اللازمة.ولا تتوقف المخاوف عند حالة الحافلة، إذ يطرح مكاوي مسألة ساعات القيادة وظروف عمل السائقين، متسائلاً: “هل يعقل أن يقود سائق من الأردن إلى لبنان، ثم يعود من لبنان إلى السعودية، بما مجموعه نحو 80 إلى 90 ساعة من القيادة، من دون معاون يتولى عنه القيادة في المناوبة؟”. ويؤكد أن الحادثة وقعت بعدما غفا السائق أثناء القيادة، ما أدى إلى تدهور الحافلة، الأمر الذي يجعل ملف ساعات القيادة والراحة للسائقين جزءاً أساسياً من أي تنظيم جدي للرحلات البرية.ولا يرى أن المشكلة تقف عند حدود النقل، بل تمتد إلى آلية عمل بعض الشركات ومسؤولياتها تجاه المعتمرين، ولا سيما في ما يتعلق بالتأمين. ويشير إلى أن المشهد الذي ظهر بعد الحادثة يكشف، برأيه، حالة من ضياع المسؤولية والحقوق. فبحسب ما يشرح، هناك شركات لبنانية تؤدي دور الوسيط بين المعتمر وشركة أردنية تتولى النقل، ثم تعتبر أن مسؤوليتها تنتهي عند تسليم المعتمر إلى الجهة الأخرى.ويطرح إشكالية أساسية “هل يعقل أن تقع وفيات، ثم تأتي شركة التأمين التي تقول إن دورها اقتصر على تأمين المعتمر وتسليمه إلى الشركة الأردنية، لتتنصل من المسؤولية؟”. ويضيف أن الأمر يصبح أكثر تعقيداً عندما يُطلب من ذوي الضحايا، في حال وجود نزاع، التوجه إلى الأردن لمقاضاة شركة النقل أو التأمين هناك، متسائلاً عن مدى واقعية تحميل عائلات فقدت أبناءها تبعات قانونية وإجرائية خارج لبنان.ويكشف أن إحدى الإشكاليات التي برزت بعد الحادثة تمثلت في عرض تعويض بقيمة 500 دولار عن حالة الوفاة، مع الإشارة إلى أن من لا يقبل بهذا العرض يمكنه اللجوء إلى القضاء في الأردن، وهو ما يعتبره أمراً غير مقبول ويطرح أسئلة جدية حول حقوق المعتمرين اللبنانيين والجهة التي يفترض أن تتحمل مسؤولية حمايتهم.ويؤكد أن هذا الواقع دفع الهيئة إلى إعداد اقتراح لتنظيم رحلات العمرة البرية، بعدما أصبح استمرار الوضع الحالي ينطوي على مخاطر لا يمكن تجاهلها. ويشير إلى أن الهيئة لم تكن قادرة سابقاً على فرض تنظيمها بصورة مباشرة، حتى لا نكون في موقع تجاوز قرار رئيس الحكومة، إلا أنها أعدت اليوم اقتراحاً متكاملاً يفترض أن يكون قد وصل إلى السراي الحكومي، تمهيداً لصدور قرار عن رئيس الحكومة ينظم آلية رحلات العمرة البرية إلى الخارج.ويشدد على أن وقف الرحلات البرية في المرحلة الحالية لا يعني إلغاءها، بل يأتي بصورة مؤقتة إلى حين استكمال إجراءات التنظيم، مشيراً إلى إن الهدف هو تنظيمها سريعاً قبل إعادة تسييرها.ويكشف مكاوي أن أحد أسباب استعجال الهيئة في معالجة الملف هو الخشية من وقوع حوادث جديدة خلال فترة انتظار الإجراءات الرسمية، مضيفاً أن الهيئة كانت تخشى أن يؤدي التأخر في اتخاذ القرار إلى سقوط ضحايا آخرين قبل وصول الملف إلى المراجع المختصة.
