
بقلم ياسمين شعبان
تفتح إعادة واشنطن تصنيف “حزب الله” وربطه بصورة مباشرة بفيلق القدس الإيراني مرحلة جديدة من الضغوط الأميركية على الحزب وامتداداته في لبنان، في خطوة تتجاوز، وفق قراءات سياسية، حدود العقوبات المالية التقليدية لتلامس دوره السياسي والعسكري وعلاقته بالدولة اللبنانية. وفي ظل الحديث عن عقوبات إضافية وضغوط متزايدة لحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، يبرز السؤال حول ما إذا كانت واشنطن تمهّد لتحول أكبر في طريقة التعامل مع الحزب وبيئته السياسية والمالية.
وفي حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، رأى المحلل السياسي جاد الأخوي أن إعادة التصنيف في هذا التوقيت “ليست إجراءً مالياً فقط، بل تحمل رسالة سياسية وأمنية واضحة”، مشيراً إلى أن واشنطن تسعى إلى تثبيت توصيف حزب الله كجزء من منظومة النفوذ الإيراني، وتحديداً كجهة مرتبطة بقيادة الحرس الثوري وفيلق القدس، وليس كتنظيم لبناني مستقل في قراره.
وبحسب الأخوي، فإن التطور الجديد يعكس انتقالاً تدريجياً من التركيز على شبكات الحزب المالية إلى ممارسة ضغط أوسع على دوره السياسي والعسكري، ما قد يجعل المرحلة المقبلة أكثر تشدداً، ولا سيما إذا بات الدعم الدولي للبنان مرتبطاً بقدرة الدولة على حصر السلاح بيدها ومنع استخدام الأراضي اللبنانية في صراعات وأجندات إقليمية. لكنه شدد في المقابل على أن ذلك لا يعني بالضرورة اقتراب خيار عسكري، معتبراً أن الهدف الأساسي في المرحلة الحالية هو “تغيير قواعد اللعبة ورفع كلفة استمرار حزب الله كقوة مسلحة موازية للدولة”.
وعن دلالات ربط الحزب مباشرة بفيلق القدس، أوضح الأخوي أن واشنطن تريد الانتقال من التعامل معه كتنظيم لبناني يمتلك جناحاً عسكرياً إلى اعتباره جزءاً عضوياً من منظومة الأمن والنفوذ الإيرانيين في المنطقة. وهذا التوصيف، برأيه، أكثر خطورة على المستوى السياسي، لأنه يجعل القرارات الأمنية والعسكرية للحزب تُقرأ أميركياً ضمن إطار التنسيق والارتباط بالحرس الثوري الإيراني.
وأشار إلى أن تكريس صورة الحزب باعتباره “ذراعاً إيرانية” يهدف أيضاً إلى إضعاف سرديته القائمة على امتلاكه قراراً لبنانياً مستقلاً عن طهران. ومن هنا، تصبح الرسالة الموجهة إلى الدولة اللبنانية أكثر وضوحاً: المطلوب لم يعد محصوراً بتجفيف التمويل، بل يمتد إلى معالجة الارتباط العسكري والأمني للحزب بإيران، وصولاً إلى حصر قرار الحرب والسلاح بالدولة.
وفي هذا السياق، اعتبر الأخوي أن التصنيف الجديد يرفع مستوى الضغط المباشر على السلطات اللبنانية، إذ بات ملف حزب الله يُقارب من زاوية تتجاوز الشق المالي إلى مسألة سيادة الدولة واحتكارها للقرار الأمني. وبرأيه، تبدو واشنطن وكأنها تربط بصورة متزايدة بين دعم مؤسسات الدولة والجيش وبين تحقيق تقدم فعلي في ملف حصرية السلاح.
ورأى أن لبنان يقف بذلك أمام “مسؤولية تاريخية” لاستعادة القرار السيادي وإنهاء ازدواجية السلطة والسلاح، لكن من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية. فالمطلوب، بحسب الأخوي، هو معالجة الملف ضمن إطار الدولة والمؤسسات، لأن تحويل الضغط الخارجي إلى صدام داخلي من شأنه أن يهدد الاستقرار ولا يحقق هدف استعادة السيادة.
أما على مستوى العقوبات، فلم يستبعد الأخوي أن تكون المرحلة المقبلة أوسع من سابقاتها، بحيث لا تقتصر على كوادر الحزب أو شبكاته المالية المباشرة، بل قد تطال شخصيات وواجهات سياسية واقتصادية تعتبر واشنطن أنها توفر له التمويل أو الغطاء أو التسهيلات اللازمة لاستمرار نشاطه.
ولفت إلى أن ربط الحزب بصورة أكثر مباشرة بالحكومة الإيرانية وفيلق القدس قد يوسّع معيار الاستهداف الأميركي، بحيث لا يعود الانتماء التنظيمي المباشر شرطاً لفرض العقوبات، بل تصبح طبيعة العلاقة مع الحزب والدور الذي تؤديه جهة ما في تمكينه مالياً أو سياسياً موضع تدقيق. وذهب إلى حد الإشارة إلى احتمال استهداف مؤسسات أو جهات تُعتبر جزءاً من البيئة التي تساعد الحزب على مواصلة نشاطه، واضعاً “مجلس الجنوب” كمثال محتمل في هذا السياق.
وبرأي الأخوي، فإن الاتجاه الأميركي قد يكون نحو الانتقال من استهداف الحزب بذاته إلى ممارسة ضغط على البيئة السياسية والمالية التي تتيح له الاستمرار. وهو ما يفرض، وفق قوله، على القوى اللبنانية التمييز بوضوح بين العمل السياسي المشروع وبين أي مساهمة في شبكات تمويل أو دعم لأنشطة مصنفة أميركياً.
وعن احتمال أن يشكل القرار مقدمة لتصعيد أكبر، رأى الأخوي أن الاحتمال قائم، لكنه وضع الخطوة في الوقت نفسه ضمن المواجهة الأميركية الأشمل مع إيران. فواشنطن، بحسب قراءته، تعمل على مسارين متوازيين: الضغط على طهران عبر أذرعها الإقليمية، ورفع كلفة استمرار حزب الله كقوة مسلحة ذات ارتباط بالقرار الإيراني داخل لبنان.
وخلص الأخوي إلى أن استمرار التصعيد الأميركي قد يفتح الباب أمام انتقال إضافي من استهداف الشبكات المالية إلى عقوبات وإجراءات تشمل قيادات وواجهات وشبكات توفر التمويل أو الغطاء السياسي للحزب، معتبراً أن الرسالة النهائية لواشنطن باتت أكثر وضوحاً: فصل لبنان عن المواجهة الإيرانية، وإنهاء ازدواجية السلاح، وإعادة القرار الأمني والعسكري بالكامل إلى الدولة اللبنانية.
