الدور التركي المتمدد وصدامه الاستراتيجي مع اسرائيل

بقلم نزار شاكر

لم تعد أصوات الطائرات في سماء الشام تعني حرباً كلاسيكية؛ بل أضحت تعكس تحولاً أكثر دقة وتشابكاً حول السؤال المحوري: من يملك أدوات الصياغة البنيوية للإقليم اليوم؟

انتهى زمن الفوضى السورية وتشتت المساحات بين الفصائل، ليدخل الإقليم مرحلة يُمكن تسميتها بـ «التموضع التنافسي المؤسسي». في هذه المرحلة، لم يعد النفوذ يُقاس بحجم الانتشار العسكري الأفقي، بل بمستوى القدرة على إعادة بناء المؤسسات ورسم أطر الحوكمة والأمن.

وفي حين تحاول دمشق موازنة خياراتها لاستعادة قرارها المركزي ومؤسساتها، تُقرأ هذه الخريطة في أنقرة وتل أبيب عبر عقيدتين أمنيتين متناقضتين تماماً. السؤال الذي يقلق أروقة التفكير الاستراتيجي لم يعد: هل هناك نفوذ متمدد؟ بل: ما طبيعة التماس المباشر بين مشروعين يحاول كل منهما فرض مظلته الاستراتيجية على الإقليم؟

المعطيات الميدانية تشير إلى أن التمدد التركي يتخذ مسار «التأطير المؤسسي والرعائي». وفي المقابل، لا يقتصر الفعل الإسرائيلي على البعد الدفاعي، بل يتخذ طابع «الاستباق البنيوي» لكسر أي معادلات ردع قبل اكتمال نصابها. والنتيجة بينهما: هي توازن قلق يُدار تحت سقف أمريكي يحاول الحفاظ على قواعد الضبط الدولي.

العقيدة التركية.. من الأشرطة الحدودية إلى الهيكلة المؤسساتية

تشير التطورات التنظيمية إلى انتقال الاستراتيجية التركية من منطق “الأشرطة الأمنية الحدودية” إلى منطق “المساهمة في بناء الدولة”، ويظهر ذلك في مساعي إعادة هيكلة القوات والمؤسسات الأمنية وتأطير الفصائل السابقة ضمن عقيدة تنظيمية حديثة؛ حيث لا تكتفي أنقرة بإقامة جدار أمني، بل تسعى لتوفير البيئة التنظيمية والسياسية التي تضمن استدامته.

وتتكامل هذه الهيكلة مع تحركات الجغرافيا العسكرية:

قاعدة أبو الظهور: تؤشر طبيعة الأعمال اللوجستية وتجهيزات الرصد فيها إلى توجه لتوظيفها كمركز لإدارة الطيران المسير وتأمين التغطية الإلكترونية (وفق ما سرب إعلامياً)؛ وهو ما فسر استهدافها المباشر من قبل إسرائيل في منتصف أغسطس 2026 لإعاقة هذا التموضع.

محورا تدمر والسين: تشير المؤشرات الميدانية إلى اعتمادهما كمحطات دعم لوجستي تعيد ربط الشمال والشرق ببادية العمق وصولاً إلى الجنوب.

لكن هذا البعد العسكري يستند إلى رؤية جيو-اقتصادية؛ حيث يبرز مشروع إحياء “طريق الترانزيت البري” الممتد من الأناضول عبر الأراضي السورية واللبنانية نحو الخليج العربي، حيث إن التحكم بشرايين النقل والتجارة يمنح النفوذ طابعاً تنموياً مستداماً؛ فالتحكم بالمسارات البرية بات لا يقل أهمية عن الانتشار المباشر.

سلوك “إنكار التموضع” الإسرائيلي وحسابات الردع

في المقابل، تتجاوز المخاوف الإسرائيلية حدود التهديدات غير النظامية التي اعتادت التعامل معها؛ إذ تترقب تل أبيب بكثير من الحذر إمكانية تموضع دولة نظامية عضو في حلف الناتو، تمتلك تقنيات رصد متقدمة، على تماس مع حدودها الشمالية والشرقية.

بناءً على ذلك، يمكن قراءة السلوك العسكري الإسرائيلي عبر منطق «إنكار التموضع قبل اكتماله»؛ وهو سلوك يستهدف المنظومات الرادارية، ومدرجات الطيران، والبنى التحتية لمنع تشكل “سقف دفاعي حصين”.

وقد تجسد هذا بوضوح في البيان الرسمي الصادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي اتهم فيه أنقرة صراحة بـ “توسيع عدوانها من سوريا”، بالتوازي مع تحذيرات وزير الدفاع يسرائيل كاتس من “المغامرات الخطرة”. يتزامن هذا مع محاولات تثبيت شريط عازل في الجنوب السوري للحد من أي ارتباط بين دمشق والجبهة الجنوبية، ومواصلة الضغط الميداني في الساحة اللبنانية.

المحركات الخفية.. الرادارات وحرب المشروعيّة والملف الكردي

تحت هذا الصدام المباشر، تدور معارك صامتة تشكل الخلفية الحقيقية للتنافس:

حرب الرادارات وتضييق “هامش التخفي”:

إن نشر منظومات الإنذار المبكر والحروب الإلكترونية في العمق السوري يقلص من “هامش حركة التخفي” الذي طالما استغله الطيران الإسرائيلي وتباها به، وبذلك لم تنتهِ القدرة الهجومية، لكن المجال الجوي تحول إلى بيئة عالية المخاطر تستدعي حسابات معقدة قبل أي عمل تكتيكي.

حرب المشروعية والدبلوماسية الخشنة (Lawfare):

تدرك أنقرة أن الصراع لا يُدار بالرادارات فقط؛ لذلك تتجه لنقل المعركة إلى الساحة القانونية الدولية عبر طلب إصدار “نشرة حمراء” من الإنتربول ضد القيادة الإسرائيلية على خلفية ملفات بحرية كـ “أسطول الصمود”، لتجريد الضربات الميدانية الإسرائيلية من غطائها الأخلاقي والدولي.

المعادلة الكردية:

تبرز الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي كخاصرة رخوة؛ تنظر إليها أنقرة كتهديد أمني وجودي تسعى لتفكيكه وإعادة دمج المنطقة في مؤسسات الدولة، بينما يساهم بقاء مركز قوة مستقل في هذا الشمال موضوعياً في الحد من اكتمال المجال الاستراتيجي التركي، وهو ما يخدم أهداف الردع الإسرائيلية دون الحاجة لتطابق كامل في المشاريع.

المظلة الدولية والدور الأمريكي

لا تقف واشنطن في هذا الصراع كحياد سلبي، بل كلاعب مفصلي يمسك بقواعد التوازن، يحاول الموازنة بين حليف استراتيجي (إسرائيل) وحليف محوري في الناتو (تركيا).

وقد تجلت خطورة هذه الموازنة في تصريحات المبعوث الأمريكي «توم باراك»، الذي حذر من أن حادثة «أبو الظهور» وضعت الإقليم «على بُعد خطوة من مواجهة عسكرية مباشرة». هذا التطور يوضح أن واشنطن باتت تعمل كـ “ممتص صدمات إجباري” عبر آليات التنسيق لمنع التصادم، بينما ينتهز الطرفان فترات الانشغال الأمريكي لممارسة “فرض الأمر الواقع”.

التعايش القسري الخشن وحروب الحسابات الخاطئة

تؤكد المعطيات أن الإقليم لا يتجه نحو “مواجهة عسكرية شاملة” بين جيشين نظاميين لما تنطوي عليه من كلفة باهظة؛ كما أن التراجع الكامل لأي طرف يعد خياراً غير مستعد له.

إن الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن في قرار معلن بخوض حرب، بل في “خطأ الحسابات الميدانية” أثناء تنفيذ ضربات استباقية جديدة. ما يتشكل حالياً هو سيناريو «التعايش القسري الخشن» المرتكز على توازن قلق:
تركيا: تعزز موقعها كموجه مؤسسي ورعائي في العمق السوري وتتحكم بشرايين الترانزيت البري.
إسرائيل: تصر على اقتطاع أحزمة أمنية والحفاظ على هامش حرية عسكري استباقي على الحدود والأطراف المباشرة.

سيستمر هذا التوازن ما دامت أجهزة الرصد متقابلة والمشاريع تتنافس تحت سقف الانفجار. وحين يختل هذا التوازن، لن تبدأ الحرب الشاملة فوراً، بل ستدخل المنطقة مرحلة جديدة من إعادة صياغة التوازنات. وفي نهاية المطاف، يبقى أبناء هذه الأرض هم من يتحملون كلفة هذا التنافس، بينما تظل سوريا ولبنان المحور الاستراتيجي الذي يتقاتل الجميع على رسم خريطته.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top