بقلم جوزاف وهبه

في لقائه مع أعضاء الوفد الأميركي (مجموعة العمل الأميركيّة من أجل لبنان) الذي يزور بيروت مستطلعاً المواقف والآراء والأحوال، في سياق اهتمام البيت الأبيض ودول العالم بمآل الأمور الجارية في تلّة علي الطاهر والجنوب، مع اقتراب انتهاء مدّة وجود قوّات اليونيفل على الحدود مع إسرائيل، والبحث من روما إلى باريس وواشنطن في إمكانيّة إيجاد بديل لها، لم يجد رئيس المجلس نبيه برّي سوى “ضمانته الشخصيّة” (ولا أعرف إذا ما كان ضرب يده على صدره، على الطريقة اللبنانيّة، لإقناع الطرف الآخر) مقابل قبول إسرائيل بالإنسحاب الكامل من الأراضي المحتلّة، وبالتالي دخول الجيش اللبناني إلى ما يُسمّى “جنوب الليطاني”!

لقد سها عن بال الرئيس برّي، أنّنا لسنا في “حفلة زجل” تيمّناً بعودة هذا النوع من الحفلات إلى القرى اللبنانيّة، وتيمّناً بدموع (دارج البكي بهل أيّام..) السفير الأميركي ميشال عيسى الذي بكى تأثّراً عند سماعه لبعض الأبيات الزجليّة الوجدانيّة حول الأرزات الشامخة والتعايش والفتّوش وصحن الكبّة النيّة..كما سها عن باله أنّ ما يؤثّر في مشاعر السفير ذي الأصول اللبنانيّة عيسى، ليس بالضرورة أن ينسحب على حسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو.فضمانات “عطوفته” لا تكفي لأن يأمر “بيبي” وزير دفاعه كاتس ليأمر بدوره لواء غولاني للإنسحاب الفوري من القرى والبلدات والقلاع التي دفع ثمناً غالياً للسيطرة عليها، وفي منطق الحروب أنّ على الخاسر أن يقدّم الكثير كي يرضى الرابح بالتسوية، الّلهمّ إلّا إذا كان الرئيس برّي يصدّق رواية انتصار الشيخ نعيم قاسم، ويصدّق التزام إيران بحماية لبنان والطائفة الشيعيّة، ويصدّق أنّ الكيان الإسرائيلي إلى الزوالالحتمي!

من السذاجة أن يفتكر الرئيس المخضرم بأنّ المقايضات الكبرى يمكن لها أن تجري بهذه البساطة:”ضمانة شخصيّة” مقابل انسحاب استراتيجي..كما أنّه من السذاجة أن نصدّق – نحن اللبنانيين – ما يمكن أن يعِد به برّي أو حزب الله:

لقد صدّقنا من قبل “كلمة شرف” الأمين العام الراحل حسن نصرالله بأن يقضي اللبنانيون والمغتربون ذات صيف هادئ ومنتعش، فكانت حرب “لو كنت أعلم”!
وصدّقنا أنّ سلاح المقاومة الإسلاميّة موجّه حصراً إلى العدوّ الصهيوني، فكان “7 أيّار المجيد” فوق كرامة بيروت ودماء أهل بيروت!

وصدّقنا، من قبل، أنّ الجيش اللبناني قد تمكّن من إخلاء بعض المناطق الجنوبيّة من قوّات بدر والرضوان، فإذا بها –بعد إعادة احتلالها من الجيش الإسرائيلي –  ملأى بالصواريخ والأنفاق والطائرات المسيّرة، وكأنّ الجيش كان مجرّد “شاهد زور”، بعلم من قيادته أو دون علم!

وصدّقنا أنّ الحزب “صُنع في لبنان..ولأجل لبنان”، فكان اجتياح المناطق السوريّة لحماية “مقام السيّدة زينب”، وكان إسناد غزّة للصلاة في القدس والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وكان إسناد إيران ثأراً لمقتل المرشد الأعلى الخامنئي…وهكذا دواليك!

ونعود إلى “ضمانة الرئيس..”، على ماذا تدلّ؟

إنّه “العجز”.فالرئيس برّي بات مقتنعاً أنّه لا “يمون” على الحزب (ربّما كانت له مونة ما في زمن الأمين العام الراحل حسن نصرالله!) الذي بات يُدار بالكامل وبالمباشر من قبل الحرس الثوري الإيراني:في تلّة علي الطاهر يتجاور عناصر الحزب مع عناصر الحرس الثوري، دم واحد وسلاح واحد ومصير واحد.لم يعد للرئيس برّي من تأثير على قرار المقاومة الإسلاميّة، فقد أصبحت – كما جاء في التصنيف الأميركي الأخير – فصيلاً من فصائل الحرس الثوري، تتبع لأوامره في السرّاء والضرّاء، ولن تكون أرض الجنوب أو الضاحية والبقاع عزيزة على اهتمامات قادة إيران أكثر من طهران وأصفهان وجزيرة خرج التي تُقصف بأعتى القنابل والصواريخ، دون أن يرفّ جفن في مقرّ خاتم الأنبياء المركزي، الذي يستعمل شعبه بالأساس وشيعة العراق ولبنان والحوثيين كبيادق في لعبة الشطرنج المميتة مع “الشيطان الأكبر”!

يعرف الرئيس نبيه برّي أنّ بريقه (العمر من جهة، وواقع حزب الله من جهة أخرى) قد خفتَ، وأنّ زوّاره يعرفون ذلك أيضاً، ولم يبقَ له سوى “الضرب على صدره” بمعنى “على ضمانتي” التي قد تُصرَف مؤقّتاً لدى السفير عيسى اللبناني – الأميركي، ولكنّها لن تجد لها صدًى، بالتأكيد، لا في كابينت تل أبيب ولا في دوائر القرار الأميركي!

“على ضمانتي” يعني أنّنا في قلب العاصفة، وليس أمامنا سوى التضرّع بأن تحلّ علينا النتائج بأقلّ الخسائر الممكنة!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top