
بقلم إحسان الطبش
لم يعد العمل الإعلامي بالنسبة إلى بعض الإعلاميات مصدر الدخل الوحيد، في ظل واقع مهني واقتصادي يفرض تحديات متزايدة على العاملين في القطاع. وبين محدودية الرواتب وعدم استقرار فرص العمل، تتجه إعلاميات إلى خوض تجربة مختلفة: تأسيس مشاريع خاصة، وبناء علامات تجارية تستفيد من حضورهن الإعلامي وعلاقتهن المباشرة بالجمهور.
لكن هل يكفي أن تكون الإعلامية معروفة لتنجح في عالم الأعمال؟ أم أن الانتقال من الشاشة إلى السوق يحتاج إلى مهارات وخبرة واستراتيجية تتجاوز عدد المتابعين؟
في حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، نستعرض تجربتين لإعلاميتين اختارتا خوض هذه المساحة، لكل منهما قصتها وطريقتها في تحويل حضورها المهني إلى مشروع خاص.
يارا الهندي: من الشاشة إلى تأسيس مشروع خاص
يارا الهندي، صحافية ومراسلة أخبار في MTV لبنان ومقدمة برامج إذاعية، ومؤسسة العلامة التجارية المتخصصة في العناية بالحواجب “WKND”، بدأت مشروعها قبل نحو عام، بعدما كانت تفكر منذ فترة في امتلاك عمل خاص بها إلى جانب الإعلام. وتقول إن حبها للعمل الصحافي لا يمنعها من التفكير في المستقبل، خصوصاً أنها لا تعرف إلى متى ستستمر في العمل كمراسلة، في ظل الظروف المتغيرة التي يعيشها القطاع.
وجاءت فكرة “WKND” من اهتمام شخصي بالحواجب، بعدما بدأ المحيطون بها يسألونها عن الطريقة التي تعتني بها بحواجبها. ومن هنا قررت تحويل هذا الاهتمام إلى منتج متخصص، حرصت على تطويره ودراسته وتصنيعه في مختبر، بدلاً من الاكتفاء بربط المنتج باسمها أو حضورها الإعلامي.
وتؤكد الهندي أن وجودها الإعلامي وحضورها على مواقع التواصل ساعداها في بناء الثقة مع الجمهور، خصوصاً أن الظهور على التلفزيون يمنح، برأيها، انطباعاً إضافياً بالمصداقية. لكنها تشدد على أن الشهرة وحدها لا تكفي، فالمشروع يحتاج إلى متابعة مستمرة وتسويق وتحديث، إضافة إلى الاستعانة بأشخاص لديهم خبرة في المجالات التي قد لا يمتلك صاحب المشروع معرفة كافية بها.
وترى الهندي أن الظروف المادية الصعبة تجعل وجود مصدر دخل إضافي أمراً مهماً، معتبرة أن امتلاك مشروع خاص يمنح الإنسان مساحة من الاستقلالية، ويخفف من ارتباط مستقبله المهني بقرار مؤسسة أو جهة عمل واحدة.
إفلينا مهوّس: مشروع وُلد من تجربة شخصية
افلينا مهوّس، إعلامية ومؤسسة العلامة التجارية المخصصة في مجال “التسمير” او “البرونزاج” “Eve Essentials LB”، خاضت تجربة مختلفة، بعدما وجدت نفسها في مرحلة صعبة مهنياً ومادياً، بالتزامن مع تراجع فرص العمل في المجال الإعلامي.
وتوضح مهوّس أن فكرة مشروعها بدأت خلال فترة كانت تأخذ فيها استراحة من العمل، فحضّرت خلطة طبيعية للتسمير من مكونات منزلية، ولاحظت نتيجتها، قبل أن يبدأ المحيطون بها بالسؤال عن المنتج الذي تستخدمه. عندها قررت عدم الاكتفاء بمشاركة الخلطة، بل تحويلها إلى مشروع تجاري بدأ برأس مال صغير.
وتعتبر مهوّس أن حضورها الإعلامي ساهم بشكل كبير في دعم المشروع، خصوصاً من خلال الثقة التي بنتها مع الجمهور والمتابعين. لكنها ترفض اختزال التأثير بعدد المتابعين، معتبرة أن الرقم لا يعكس دائماً حجم التأثير، وأن الأهم هو الأثر الذي تتركه الإعلامية لدى جمهورها.
وفي الوقت نفسه، تؤكد أن الحضور الإعلامي ليس بديلاً عن التسويق وإدارة المشروع، مشيرة إلى أهمية الإدارة المالية والاستعانة بأشخاص متخصصين عند الحاجة. وترى أن خبرتها في الإعلام ومجالات أخرى ساعدتها في فهم كيفية تقديم المنتج وتسويقه، إلى جانب الدعم الذي حصلت عليه من عائلتها والمقربين منها.
وبالنسبة إلى الواقع الإعلامي، تعتبر مهوّس أن امتلاك مصدر دخل إضافي أصبح أمراً ضرورياً للإعلاميين والإعلاميات، خصوصاً أن حجم الجهد والمسؤوليات لا يتناسب دائماً مع الرواتب التي يحصل عليها العاملون في القطاع.
أكثر من مهنة واحدة
تجربتا الهندي ومهوّس تلتقيان عند نقطة أساسية: الحضور الإعلامي يمكن أن يكون نقطة قوة في إطلاق مشروع، لكنه لا يكفي وحده لضمان نجاحه.
فالثقة التي تبنيها الإعلامية أمام الكاميرا يمكن أن تتحول إلى رصيد في عالم الأعمال، لكن الحفاظ على هذا الرصيد يحتاج إلى منتج حقيقي، وتسويق جيد، وإدارة ومتابعة مستمرة.
وفي المقابل، تطرح التجربتان فكرة أوسع تتجاوز البحث عن مصدر دخل إضافي، وهي عدم حصر الإنسان نفسه في مهنة واحدة. فالإعلامية يمكن أن تبقى متمسكة بهويتها المهنية، وفي الوقت نفسه تستثمر مهاراتها واهتماماتها في مجال آخر.
وفي زمن تتغير فيه طبيعة العمل الإعلامي بسرعة، ربما لم يعد السؤال: هل تستطيع الإعلامية أن تعمل في مجال آخر؟ بل: كيف يمكنها أن تبني مساراً مهنياً مستقلاً، من دون أن تخسر هويتها الإعلامية؟
