طرابلس في ذكرى المولد النبوي الشريف: العيش المشترك عادة يومية قبل أن يكون نصاً


بقلم الياس عيسى الياس

وأنا أكتب هذه الكلمات اليوم، تصادفنا ذكرى المولد النبوي الشريف، وتتزين أزقة طرابلس القديمة بالأضواء والأعلام الخضراء، وتفوح منها رائحة الزهر وحلوى المولد المشهورة التي يتهاداها الجيران.
 
في هذا المشهد الذي أعايشه رأي العين، يتجاور صوت الأذان في جامع المنصوري الكبير مع طقطقة الفناجين في المقاهي المجاورة للكنائس العتيقة في أحياء الزاهرية والتل ومحيط الأسواق القديمة.
 
لم تكن هذه المشاهد في مدينتي يوماً مجرد صور فولكلورية تُعرض في المناسبات، بل خبرة اجتماعية حية نعيشها بصورة طبيعية؛ فالجار يقف معجاره في المسرات والأحزان، والتاجر يأتمن شريكه.
 
تتشارك العائلات المسلمة والمسيحية طعام العيد ومناسبات الفرح دون حاجة إلى تنظير لغوي لمفهوم “العيش المشترك”.
هذه الخبرة اليومية المتراكمة في ذاكرة الناس كانت، في محطات تاريخية عديدة، السد المنيع الذي قاوم الانزلاق نحو الفتن الهوياتية.
 
لكن التأمل في هذه الظاهرة يطرح سؤالاً أساسياً: هل ما نعيشه هنا مجرد استثناء محلي فرضته جغرافيا المدينة، أم أنه انعكاس لقيمة أخلاقية تقاطعت عندها المرجعيات الكبرى؟
 
تأتي الإجابة بوضوح حين ندرك أن تجربة الناس اليومية لا تعيش في عزلة، بل تتقاطع مع رؤية دينية وإنسانية أوسع.
ففي عام 2019، عندما أعلنت رابطة العالم الإسلامي “وثيقة مكة المكرمة”، قدمت رؤية صريحة ترفض التأويلات الإقصائية؛ إذ نصت بوضوح على التعايش والتعاون بين الإسلام والمسيحية واليهودية، ومشددة على أن تنوع البشر واختلاف أديانهم وثقافاتهم هو أصل إنساني يشمل أتباع الأديان والكفالات الاعتقادية بوجه عام.
 
وفي العام نفسه، جاءت “وثيقة الأخوة الإنسانية” الموقعة في أبوظبي بين الأزهر الشريف والفاتيكان لتركز بشكل رئيسي على العلاقة بين الإسلام والمسيحية، ممتدة بتأكيدها إلى أتباع الأديان السماوية والمؤمنين بالله جميعاً، لترسخ قيم المواطنة والعدالة والمساواة في الحقوق، وترفض رفضاً قاطعاً استغلال الدين في تبرير العنف أو التمييز.
 
إن أهمية هذين الإعلانين لا تكمن في استعراضهما كمبادئ معلقة، بل في كونهما يمنحان غطاءً فكرياً وسنداً أخلاقياً لما يمارسه أبناء مدينتنا فيحياتهم اليومية.
 
فالوفاق الأهلي والمواطنة الحقَة لا يختزلان في ترتيبات سياسية مؤقتة، بليمثلان جوهر القيم الدينية ونقاء الضمير الإنساني.
 
إن الشارع اللبناني لم يكن ينتظر النصوص ليصنع تآلفه، بل جاءت هذهالمواثيق لتلتقي مع حقيقة ما نعيشه وتمنحه الشرعية والامتداد.
 
يبقى مجتمعنا، بتنوعه وخصوصيته، الميدان الفعلي لاختبار هذه المبادئ.
 
فهذه البيانات تصيغ الأطر العريضة، لكن الامتحان الحقيقي يدور في تفاصيل الحياة اليومية؛ في أسواقنا، ومدارسنا، ومقاهينا، وفي قدرة الناس على تقديم صوت العقل على خطابات التجييش الطائفي.
 
ففي النهاية، لا تُقاس قيمة الوثائق بما تحويه الأوراق، بل بما تصنعه في واقع الناس.
 
وربما هنا تحديداً تكمن رسالة طرابلس في هذا العيد المبارك: أن العيش المشترك لا يحتاج دائماً إلى إعلان، بقدر ما يحتاج إلى أن يبقى عادة يومية يحميها الناس قبل أن تحميها النصوص.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top