محمد صبرا ل”ديموقراطيا نيوز”: لا اتفاق سوري-إسرائيلي قبل الانتخابات…والمرحلة عنوانها ترتيبات أمنية مؤقتة

بقلم ياسمين شعبان

تشهد الساحة السورية في الفترة الأخيرة حركة سياسية وأمنية متسارعة، مع عودة قنوات الاتصال بين دمشق وتل أبيب إلى الواجهة، بالتوازي مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية وتصاعد الحديث عن تفاهمات قد تحد من الاحتكاك بين الطرفين. لكن بين ما يُطرح عن اتفاق أمني مؤقت، وما يُروّج لمسار سياسي أوسع، تبقى طبيعة هذه الاتصالات وحدودها موضع تساؤل، خصوصاً في ظل الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، والدور التركي المتنامي في سوريا، والتنافس الإقليمي على شكل التوازنات الجديدة في المنطقة.

وفي حديث خاص لموقع “ديموقراطيا نيوز”، يقدّم المحامي السوري محمد صبرا قراءة لمسار الاتصالات السورية–الإسرائيلية، وشروط دمشق، وحسابات إسرائيل، ودور تركيا والولايات المتحدة، وما يمكن أن تحمله الأشهر المقبلة من ترتيبات أمنية أو تحولات سياسية.

ورأى صبرا أن الاتصالات السورية–الإسرائيلية الحالية لا تشكل بداية لمسار سياسي متكامل، معتبراً أن الظروف الداخلية الإسرائيلية، ولا سيما اقتراب الانتخابات التشريعية، تجعل من الصعب تصور انخراط حكومة بنيامين نتنياهو في أي مسار يتطلب تقديم تنازلات حقيقية.

وأوضح أن إعادة فتح قنوات الاتصال جاءت في جزء منها نتيجة التحرك الأميركي بعد الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، إلا أن اللقاءات التي جرت، بحسب المعطيات المتداولة، لا تزال أقرب إلى محادثات ذات طابع أمني ومرحلي، وليست مفاوضات سياسية بالمعنى الكامل.

وأشار إلى أن نتنياهو يدخل استحقاقاً انتخابياً بالغ الحساسية، لا يرتبط فقط بمستقبله السياسي، بل أيضاً بمصيره الشخصي في ظل استمرار محاكماته في قضايا الفساد وإساءة الأمانة والإخلال بواجبات الوظيفة. ومن هذا المنطلق، يرى صبرا أن رئيس الحكومة الإسرائيلية سيحاول خلال المرحلة المقبلة استخدام الملف الأمني كأحد أبرز عناوين حملته الانتخابية.

وبحسب صبرا، فإن هذا الواقع يجعل من غير المرجح أن تقدم إسرائيل في المرحلة الحالية على خطوات يمكن تفسيرها داخلياً على أنها تنازلات، سواء في إطار اتفاق أمني جزئي أو تسوية سياسية أوسع مع سوريا.

وفي المقابل، أكد أن الموقف السوري يستند إلى ما تعتبره دمشق حقوقاً ثابتة بموجب القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمها ضرورة انسحاب إسرائيل من جميع النقاط التي توغلت فيها بعد 8 كانون الأول 2024.

واعتبر أن هذا التوغل يمثل خرقاً لاتفاقية فصل القوات لعام 1974، وللترتيبات الدولية الخاصة بالمنطقة العازلة وانتشار القوات الأممية فيها، مشدداً على أن الانسحاب من هذه المناطق يمثل الحد الأدنى الذي يمكن أن تقبل به دمشق في أي تفاهم أمني محتمل.

أما في الجانب الإسرائيلي، فرأى صبرا أن الصورة لا تزال أكثر تعقيداً، إذ لا تبدو المطالب الإسرائيلية محددة بصورة واضحة، سواء بالنسبة للحكومة السورية أو حتى داخل المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية نفسها. وقال إن الخطاب الإسرائيلي المتكرر حول ضرورة ألا تشكل سوريا تهديداً للأمن الإسرائيلي، أو ألا تتحول الجبهة السورية إلى نقطة ضعف، لا يقدّم حتى الآن تصوراً عملياً واضحاً لما تريده تل أبيب فعلياً من دمشق.

وفي هذا السياق، وضع صبرا التصريحات الإسرائيلية المتعلقة بالبقاء في بعض المواقع داخل الأراضي السورية، ومنها منطقة جبل الشيخ، ضمن حسابات السياسة الداخلية الإسرائيلية ومحاولة استمالة الجمهور اليميني، معتبراً أن هذه المواقف لا يمكن بالضرورة التعامل معها باعتبارها أساساً ثابتاً لأي تسوية مستقبلية.

وأوضح أن أي اتفاق أمني أو سياسي جدي بين سوريا وإسرائيل سيتطلب التزامات واضحة من الجانب الإسرائيلي، في مقدمتها الانسحاب من الأراضي التي تم التوغل فيها بعد 8 كانون الأول 2024، في حال كان الحديث عن تفاهم أمني مؤقت، أما في حال الانتقال إلى تسوية سياسية شاملة، فإن ملف الجولان سيكون جزءاً أساسياً لا يمكن تجاوزه.

وفي ما يتعلق بالدور التركي في سوريا، رأى صبرا أن هناك مبالغة في بعض الأوساط الإسرائيلية في توصيف حجم التهديد الذي يمثله الوجود التركي، وكذلك في الحديث عن تحول التنافس التركي–الإسرائيلي إلى صراع مفتوح. وأشار إلى أن تركيا وإسرائيل تجمعهما علاقات تاريخية وتشابكات عسكرية وسياسية مرتبطة أيضاً بتحالفات دولية أوسع، سواء في إطار حلف شمال الأطلسي أو العلاقات الخاصة التي تجمع إسرائيل بالولايات المتحدة والدول الغربية، ما يجعل هامش التنافس بين الطرفين مضبوطاً إلى حد بعيد.

لكن صبرا لفت إلى أن المنطقة تعيش مرحلة “عدم يقين” واسعة، نتيجة إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، وعدم اتضاح النتائج النهائية للصراع الأميركي–الإيراني، إضافة إلى بروز تحالفات ومشاريع إقليمية جديدة تتصل بالطاقة، وسلاسل التوريد، والربط البري والسككي بين دول المنطقة.

ورأى أن خطورة هذه المرحلة تكمن في أن فترات عدم اليقين تكون عادة أكثر قابلية لوقوع أخطاء في الحسابات، ما قد يرفع مستوى التوتر، وإن كان لا يزال حتى الآن ضمن سقف يمكن احتواؤه. وبحسب صبرا، فإن دمشق تراهن بدرجة كبيرة على دور الولايات المتحدة وعلى علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية للضغط على إسرائيل والحد من الاعتداءات المتكررة على الأراضي السورية.

كما اعتبر أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء الجنوب السوري في حالة من الهشاشة الأمنية، لأن هذا الواقع يمنحها ورقة ضغط تتجاوز البعد الأمني المباشر، وتمتد إلى تعطيل بعض المشاريع الإقليمية الكبرى التي تمر عبر الأراضي السورية، ومنها مشاريع الربط البري والسككي بين الخليج وتركيا وصولاً إلى أوروبا. ورأى أن بقاء الجنوب السوري في حالة غير مستقرة قد يشكل جزءاً من الاستراتيجية الإسرائيلية خلال الأشهر المقبلة، إلا أن النشاط الدبلوماسي السوري قد يساهم في ضبط هذا السلوك ومنع تحوله إلى تصعيد أوسع.

وعن إمكانية التوصل إلى اتفاق قريب، استبعد صبرا ذلك في الظروف الحالية، سواء على مستوى اتفاق أمني مؤقت أو اتفاق سياسي شامل، مرجحاً أن تقتصر المرحلة المقبلة على مجموعة من الترتيبات الأمنية والتفاهمات الفنية. وأوضح أن الهدف من هذه الترتيبات سيكون منع الاحتكاك المباشر بين سوريا وإسرائيل من جهة، وبين تركيا وإسرائيل من جهة أخرى، ووضع آليات تحد من خطر تحول أي حادث ميداني إلى مواجهة أوسع.

كما اعتبر أن إسناد الجانب الإسرائيلي إدارة هذا الملف إلى جهاز الموساد يشكل مؤشراً إضافياً على أن المرحلة الحالية لا تزال بعيدة عن مستوى المفاوضات السياسية الرسمية أو الاتفاقات الدولية الملزمة، وأن ما يجري أقرب إلى إدارة مؤقتة للتوتر.

وختم صبرا بالتأكيد أن أي انتقال فعلي إلى مسار سياسي أوسع يحتاج أولاً إلى انتهاء الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل حكومة جديدة تستند إلى أكثرية مستقرة في الكنيست، معتبراً أن الصورة السياسية الحقيقية لن تتضح قبل اكتمال هذا المسار خلال الأشهر التي تلي الانتخابات.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top