
بقلم شادي هيلانة
في السياسة، حيث تتبدل القراءات مع كل تحول داخلي أو إقليمي، تظهر بين فترة وأخرى روايات تحاول إعادة رسم صورة التحالفات والعلاقات بين القوى السياسية، وفي هذا السياق برز حديث عن إعادة قراءة لحضور القوات اللبنانية في الشمال، خصوصاً على مستوى العلاقة مع البيئة السنية، وربط هذا الملف بتطورات المنطقة والحسابات المرتبطة بالمرحلة المقبلة.
هذه الطروحات دفعت رئيس جهاز التواصل والإعلام في حزب القوات اللبنانية شارل جبور إلى الرد عليها، واضعاً إياها في خانة “صف حكي”، معتبراً أن الهدف منها يتجاوز التحليل السياسي ليصل إلى محاولة التأثير على الرأي العام وصناعة انطباعات لا تستند إلى وقائع.
وفي حديث خاص عبر موقع “ديمقراطيا نيوز” ، يقول جبور إن أي متابع للمشهد السياسي يدرك طبيعة العلاقة التي تجمع القوات اللبنانية بالمملكة العربية السعودية، وهي علاقة استراتيجية واضحة، مشيراً إلى أن محاولة تقديم صورة مختلفة عن هذا الواقع لا تستند إلى معطيات جدية.
ويضيف أن القوات اللبنانية والرئيس السوري أحمد الشرع كانا في موقع مواجهة مع نظام الأسد، لافتاً إلى أن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى معراب حملت رسائل سياسية ورمزية مرتبطة بمرحلة جديدة في العلاقات السورية- اللبنانية.
ويؤكد جبور أن رؤية القوات للعلاقة مع سوريا تقوم على مبدأ الدولة إلى الدولة، بعيداً عن أي نماذج سابقة قامت على النفوذ أو التدخل، مشيراً إلى أن الحضور الشعبي للقوات داخل سوريا ارتبط بمواقف سياسية اتخذها الحزب خلال مراحل مفصلية من تاريخ المنطقة.
أما في ملف العلاقة مع الطائفة السنية، فيوضح جبور أن الرابط القائم اليوم هو رابط وطني وميثاقي، يمتد من صيغة العام 1943 مروراً باتفاق الطائف وصولاً إلى انتفاضة الاستقلال عام 2005، وهي محطات رسمت جزءاً أساسياً من شكل الحياة السياسية اللبنانية.
ويرى جبور أن كل الكلام عن محاولة بناء ارتباط جديد للقوات مع البيئة السنية في الشمال لا يتجاوز حدود “كلام تسلية”، مضيفاً أن غياب الأخبار السياسية الجدية يدفع البعض إلى إنتاج روايات هدفها جذب الاهتمام أكثر من تقديم قراءة واقعية.
أما في ملف السفير الإيراني السابق أحمد رضا شيباني، فينتقل جبور إلى مساحة أكثر حساسية، معتبراً أن القضية تكشف حدود الحركة السياسية عندما تصل الملفات إلى نقطة الاصطدام مع حزب الله وإيران.
ويشير جبور إلى أن موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري من هذا الملف لا يمكن فصله عن حسابات العلاقة مع حزب الله، موضحاً أن بري لم يكن في موقع المواجهة المباشرة مع مسار إنهاء الوجود العسكري للحزب أو الانتقال نحو مفاوضات لبنانية- إسرائيلية، ولم يظهر كطرف يريد فتح مواجهة سياسية مباشرة مع هذا الاتجاه.
ويعتبر جبور أن الاختبار الحقيقي يبدأ عند لحظة الاصطدام، حيث تتقدم حسابات الداخل وعلاقة القوى السياسية بحزب الله وإيران، لافتاً إلى أن ملف شيباني أظهر هذه الحدود بوضوح، كون الذهاب بالقضية إلى نهاياتها قد يرفع مستوى التوتر الحزب وطهران.
وبحسب قراءة جبور، فإن بري يخشى الوصول إلى مواجهة مباشرة مع الحزب وإيران في هذا الملف، لذلك بقيت المقاربة ضمن حدود معينة، بعيداً عن خطوة قد تنقل المواجهة إلى مستوى أكثر حدة.
في المحصلة، يضع جبور هذه الملفات ضمن صراع أكبر حول شكل المرحلة المقبلة، حيث تختبر القوى السياسية قدرتها على الانتقال من إدارة التوازنات إلى اتخاذ قرارات مرتبطة بمستقبل الدولة ودورها، وسط مشهد إقليمي يفرض نفسه على كل الحسابات اللبنانية.
