
بقلم ملاك الصميلي
لم يكن إعلان الجيش الإسرائيلي تحقيق “السيطرة العملياتية” على مرتفعات علي الطاهر مجرّد تطور ميداني جديد في الحرب المفتوحة جنوباً، بل شكّل ضربة لموقع جرى تقديمه طوال الأشهر الماضية بوصفه عنواناً للصمود وعقدة عسكرية يصعب تجاوزها. وبينما لا تزال تفاصيل ما حدث على الأرض غير مكتملة، أعاد الإعلان طرح أسئلة تتجاوز مصير التلة إلى مستقبل الجنوب، وحدود الدور الإيراني، وجدوى سلاح حزب الله، وقدرة الدولة على استعادة قرارها السيادي.
وفي هذا الإطار، يرى الكاتب والمحلل السياسي مروان الأمين، في حديث لـ”ديمقراطيا نيوز”، أنه يجب التعامل بجدية مع الإعلان الإسرائيلي، معتبراً أن إسرائيل، ولا سيما عشية الانتخابات، لا تستطيع الإعلان عن إنجاز غير حقيقي، لأن خصوم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ينتظرون أي معلومة غير دقيقة لاستخدامها ضده.
ويقول الأمين إن المعطيات المتوافرة تشير إلى تمكّن القوات الإسرائيلية من دخول مرتفعات علي الطاهر والسيطرة عليها، لكن التفاصيل الكاملة للعملية لا تزال غير واضحة، خصوصاً أن الجميع كان ينتظر معركة كبيرة في المنطقة قبل أن يفاجأ ببيان إسرائيلي يعلن إنجاز العملية.
ويعتبر أن رمزية علي الطاهر جرى تضخيمها من نتنياهو وحزب الله معاً، ولكن لأسباب مختلفة. فنتنياهو يحتاج إلى إنجاز عسكري كبير يستطيع توظيفه في حملته الانتخابية، فيما احتاج حزب الله إلى رفع رمزية التلة لمواجهة الإحباط داخل بيئته، وإقناع جمهوره بأنه لا يزال صامداً وأن إسرائيل عاجزة عن التقدم.
ويلفت الأمين إلى أن حزب الله ذهب بعيداً في هذا السياق، عندما قدّم علي الطاهر كجزء من «محور الصمود» الممتد من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان، واضعاً التلة في مرتبة تفوق حجمها العسكري الفعلي.
ويضيف: “كما حصل سابقاً في الخيام وبنت جبيل، يتبيّن مع الوقت أن حزب الله كان يبيع الأوهام، فيما تحقق إسرائيل إنجازات ميدانية ويدفع أهالي الجنوب الأثمان”.
وعن القيمة العسكرية للتلة، يؤكد الأمين أنها تتمتع بأهمية استراتيجية، لكنها ليست الموقع الحاسم في المعركة، بل تشكّل نقطة إضافية لمصلحة إسرائيل بعد سيطرتها على عدد من المرتفعات ومساحات واسعة من جنوب لبنان.
ويشرح أن محيط علي الطاهر يضم مواقع وتلالاً أخرى توازيها أو تفوقها ارتفاعاً وأهمية، من بينها جبل الرفيع وجبل صافي وجبل الريحان، ما يعني أن التلة ليست أعلى نقطة في المنطقة ولا يؤدي سقوطها وحده إلى حسم المشهد العسكري، رغم أهمية موقعها.
ويحمّل الأمين حزب الله مسؤولية رفض تسليم المنطقة إلى الجيش اللبناني، معتبراً أن الحزب فضّل بقاء أرض لبنانية عرضة للاحتلال على تحوّل حمايتها أو استعادتها إلى إنجاز للشرعية اللبنانية، لأن نجاح الدولة يشكّل، وفق رأيه، تهديداً للذرائع التي يقوم عليها نفوذ الحزب وسلاحه.
ويشير إلى أن استمرار الاحتلال يمنح حزب الله فرصة للعودة إلى خطاب “المقاومة والتحرير”، بينما تؤدي قدرة الدولة على استعادة الأرض والأسرى والحقوق اللبنانية إلى إسقاط حجته القائمة على أن الدولة عاجزة وأن وجود سلاحه ضرورة.
ويقول الأمين إن الحزب يستطيع تبرير خسارة التلة أمام جمهوره بالقول إن هناك أرضاً محتلة تتطلب استمرار المقاومة، أما إذا نجحت الدولة في استعادة الأراضي ومنع الاحتلال عبر التفاوض والشرعية، فسيصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ما الحاجة إلى بقاء السلاح خارج المؤسسات؟
وحول إمكان توسع الاحتلال بعد علي الطاهر، يرى الأمين أن الاتجاه المقبل لم يتضح بعد، لكنه يؤكد أن الأزمة لن تنتهي من دون حل جذري لملف سلاح حزب الله. ويشير إلى أن الخط الأحمر الأميركي الذي يمنع إسرائيل من توسيع عملياتها العسكرية لا يزال قائماً، وأن تل أبيب لم تحصل حتى الآن على ضوء أخضر لشن عملية واسعة، داعياً إلى انتظار ما ستحمله مرحلة الانتخابات الإسرائيلية وما بعدها.
وفي قراءته لأداء الدولة، يعتبر الأمين أن دخول لبنان في المفاوضات واستمراره فيها يشكلان خطوة إيجابية، لأنهما يعيدان الملف اللبناني تدريجياً من يد إيران إلى الدولة، إلا أنه ينتقد غياب الإجراءات التنفيذية الجدية لاستعادة السيادة وحصر السلاح.
ويضيف أن الحكومة اتخذت قرارات مهمة، لكن ترجمتها الميدانية لا تزال محدودة، معتبراً أن تجربة المنطقة التجريبية تعثرت نتيجة عدم اتخاذ الدولة خطوات حاسمة، ما سمح لحزب الله باستعادة حضوره في مناطق كان يُفترض أن تخضع للشرعية وحدها.
أما عن احتمال فتح جبهة جديدة تحت عنوان تحرير علي الطاهر، فيقول الأمين إن قرار الحرب لا يُتخذ في التلة ولا في لبنان، بل في طهران، مؤكداً أن حزب الله لن يتردد في تحريك الجبهة متى اقتضت المصلحة الإيرانية ذلك، كما فعل سابقاً من دون العودة إلى اللبنانيين أو احتساب النتائج التي سيدفعون ثمنها.
من جهته، يرى الباحث والأستاذ الجامعي الدكتور علي مراد، في حديث لـ”ديمقراطيا نيوز”، أن معركة علي الطاهر جاءت لتؤكد أن الخيار العسكري لم يعد قادراً على تقديم حل، وأن المقاربة التي تمسّك بها حزب الله يجب أن تتوقف قبل خسارة المزيد من مدن الجنوب وقراه وعمرانه.
ويشدد مراد على أن الأولوية اليوم يجب أن تكون لإنقاذ الجنوب، لا لإنقاذ سلاح حزب الله، داعياً الحزب إلى حسم خياره والانضمام الكامل إلى الدولة ووضع قرار سلاحه في يدها.
ويعتبر أن استمرار الازدواجية بين الدولة والحزب يمنع لبنان من إحراز أي تقدم في المفاوضات أو في استعادة حقوقه، فيما تستفيد إسرائيل من هذا الواقع لتبرير بقائها ورفض الانسحاب.
و ختم مراد إن إسرائيل لا تريد الانسحاب ولا تقديم أي تنازل، لكنها تستخدم كل ما يجري على الأرض لمصلحتها، ولذلك يحتاج لبنان إلى قلب المعادلة عبر توحيد القرار السياسي والأمني والعسكري تحت سلطة الدولة.
