
بقلم ياسمين شعبان
لم يعد التصعيد في باب المندب مجرد فصل جديد من الحرب اليمنية، بل بات جزءًا من مشهد إقليمي أكثر تعقيدًا، تتقاطع فيه حسابات الحوثيين مع مصالح إيران والولايات المتحدة والسعودية، وسط تحولات متسارعة في موازين القوى ومسارات التفاوض في المنطقة. فالتقدم الحوثي وتثبيت النفوذ قرب أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم يفتحان الباب أمام أسئلة تتجاوز أمن الملاحة إلى طبيعة التفاهمات التي تُطبخ خلف الكواليس، والأوراق التي تستخدمها القوى الكبرى في إدارة صراعاتها.
وبين الحديث عن تفاهم أميركي–إيراني محتمل، وتصاعد الضغوط على الرياض، ومستقبل المواجهة في اليمن، تبرز قراءة تعتبر أن ما يجري ليس تطورًا ميدانيًا منفصلًا، بل جزء من إعادة رسم أوسع لمعادلات الشرق الأوسط.
في حديث خاص لـ”ديمقراطيا نيوز”، يقدّم المحلل الاستراتيجي مارسيل بالوكجي قراءته لخلفيات التقدم الحوثي وما يحمله من رسائل للسعودية، وصولًا إلى انعكاساته المحتملة على ملفات المنطقة، وفي مقدمتها لبنان.
يرى بالوكجي أن التطورات المتسارعة في اليمن وباب المندب لا يمكن فصلها عن إعادة ترتيب أوسع للأوراق الإقليمية، معتبرًا أن التقدم الحوثي يأتي في توقيت تتكثف فيه الاتصالات والتفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران حول عدد من ملفات المنطقة.
وبحسب بالوكجي، فإن المساحة التي أُتيحت للحوثيين للتقدم وتثبيت نفوذهم تثير، من وجهة نظره، تساؤلات حول وجود تفاهمات غير معلنة أو غضّ نظر أميركي مرحلي، خصوصًا أن واشنطن تدرك الأهمية الاستراتيجية لباب المندب بالنسبة إلى التجارة الدولية وأمن الطاقة.
ويذهب بالوكجي أبعد من ذلك، إذ يعتبر أن الحوثيين تحولوا إلى ورقة يمكن استخدامها في لعبة الضغط الإقليمية، ولا سيما تجاه السعودية، ويرى أن واشنطن تعتمد استراتيجية تحقق من خلالها مكاسب على أكثر من جبهة، عبر إعادة توزيع موازين القوى وتعزيز قدرتها على التأثير في ملفات المنطقة.
وفي هذا السياق، يربط بالوكجي الضغط على الرياض بموقفها من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها العلاقة مع إسرائيل والقضية الفلسطينية، معتبرًا أن تمسك السعودية بحل الدولة الفلسطينية يجعل الخلاف حول شكل التسوية الإقليمية أعمق من مجرد تباين سياسي عابر. ومن وجهة نظره، يمكن قراءة الورقة الحوثية كإحدى أدوات الضغط في هذه المعادلة.
أما في ما يتعلق بإيران، فيرى بالوكجي أن التحرك الحوثي مرتبط بمسار المواجهة والتفاوض بين طهران وواشنطن، مرجحًا وجود تفاهمات أميركية–إيرانية مؤقتة يجري إعدادها حول مجموعة من الملفات الإقليمية، على أن تنعكس نتائجها على ساحات أخرى من اليمن إلى لبنان.
ويشير إلى أن مستوى الدعم الذي يحصل عليه الحوثيون من إيران والحرس الثوري والقوى الحليفة لطهران سيكون أحد المؤشرات الأساسية إلى طبيعة المرحلة المقبلة، معتبرًا أن أي تراجع أو تبدل في هذا الدعم قد يشكل مؤشرًا إلى تفاهمات أوسع بين واشنطن وطهران.
وعن مستقبل العلاقة بين الحوثيين والسعودية، يتوقع بالوكجي أن تبقى المواجهة قابلة لمزيد من التصعيد، خصوصًا إذا واصل الحوثيون تثبيت نفوذهم في المناطق التي كانت تحت سيطرة الحكومة اليمنية والقوى المدعومة من الرياض.
ويرجح أن تشهد المرحلة المقبلة “سخونة” أكبر على الساحة اليمنية، مع محاولة الحوثيين تثبيت مواقعهم مقابل تحركات عسكرية وسياسية مضادة، محذرًا من أن السعودية والقوات اليمنية قد تتكبدان خسائر قبل الوصول إلى توازن جديد.
ويخلص بالوكجي إلى أن ما يجري في باب المندب يتجاوز حدود الصراع اليمني، ويشكل، وفق قراءته، جزءًا من إعادة تشكيل أوسع للشرق الأوسط. وهو ما يفرض على السعودية ودول الخليج والدول العربية، برأيه، تطوير استراتيجية جديدة تتلاءم مع التحولات في السياسة الأميركية والتوازنات الإقليمية الناشئة.
