
بقلم جوزاف وهبه
كم يدور هذا التاريخ كالأرض، ثابتاً في مكانه كالشمس!
دورةً تلوَ الدورة، ونحن عائدون – كما في كلّ مرّة بغباء مكرّر غير مفهوم – إلى نقطة الصفر.كأنّها قدر.كأنّه كُتب علينا – في هذه الأرض المليئة بالأنبياء والمرسلين والمؤمنين والمؤمنات – أن نجترّ الأحداث، فلا نتعلّم، ولا نستخلص العبر، وإذا ما فعلنا، اجتزأنا ما يناسب ميولنا وأهواءنا وحساباتنا الضيّقة، لنكتشف – متأخّرين ومثقلين بالجراح – أنّنا ندور في الحلقة المفرغة المسمّاة “نقطة الصفر”، ليس إلّا!
“أناديكم..”، ولكن ليس كما اشتهى الكاتب الفلسطيني توفيق زيّاد عام 1966، ولا كما غنّاها الفنّان اليساري أحمد قعبورعام 1975 في لحظة الحرب الأهليّة التي أعلن جرّاءها القائد الراحل محسن ابراهيم عن “ندمه الشهير”، عاطفاً هذا الندم المتأخّر على خطأين فادحين:
-الأوّل، خطأ استسهال الحرب الأهليّة كوسيلة لتغيير بنية النظام الطائفي اللبناني.
-الثاني، خطأ ربط الوضع اللبناني بالقضيّة الفلسطينيّة كأولويّة وطنيّة على جميع الشؤون والمصالح الداخليّة.
..وكان ما كان:فهل تعلّمنا؟
النبطيّة، في ندائها الثاني طلباً للخلاص، تقول:لم نتعلّم.وتستصرخ الدولة اللبنانيّة، على ضعفها وهشاشة تكوينها، لإنقاذها من أوهام الدويلة، ومن توحّش العدوّ..قبل فوات الأوان، تماماً كما جاء في ختام البيان الثاني الصادر عن الأهالي والفعاليّات.
وفي مشهد (deja vu) كما يُقال، تقوم سيّدة عامليّة مسنّة بنثر الأرزّ فوق رؤوس وسيّارات الجنود اللبنانيّين الذين دخلوا النبطيّة، علّهم بذلك يوقفون حفلة التدمير (الإنتخابي..) التي يقوم بها الثنائي نتانياهو – كاتس تحت أعين نخبة الرضوان وبدر، وعلى وهج نار خطب نعيم قاسم ومحمود قمّاطي، وعلى وقع تهديدات طهران بالخطوط الحمر والصفر وكلّ تلاوين الكلام المنمّق غير المفيد!
جاء سقوط “تلّة علي الطاهر” السهل، بصفقة عُقدت في قطر أو دون صفقة (هذه التفاصيل لا تغيّر شيئاً في جوهر وحجم الحدث)، ليكشف آخر عورات واقع حزب الله والمقاومة الإسلاميّة ووحدة الساحات ومحور الممانعة:العجز التامّ، والإكتفاء بالشعارات الفارغة عن الكرامة والعزّة والصبر الجميل..والوعد بتحرير كامل التراب اللبناني والفلسطيني.
وجاء تفجير “علي الطاهر” (هزّة أرضيّة على 4.1 درجة) ليكشف مَن “أوهى من خيوط العنكبوت”، وليُسقط آخر ورقة توت عن سرديّات (..وأصبع) الأمين العام الراحل حسن نصرالله حول توازن الرعب وساعة زوال بني إسرائيل وطيور الأبابيل وكلّ تحليقات الهدهد وخيبر واحد واثنين وثلاثة..جاء التفجير لإعلان أنّنا قد عدنا في الزمن إلى “ساعة الصفر”:عباراتنا الفضفاضة مقابل البيجرز واللاسلكي..هشاشة وحدة الساحات والماورائيّات والإبتهالات مقابل تطوّر تكنولوجيا العدو والذكاء الإصطناعي..الحضور الفاعل لحلفاء الكيان (ولو على شكل شيطان أكبر) مقابل تشتّت وادّعاءات حلفائنا (ولو على شكل قدّس الله سرّه وسيف الإمام ونور ساطع من السماء)..نحن، من جديد، نعود إلى “ندم محسن ابراهيم”، وإلى “أرزّ الجنوبيّين” فرحاً بخروج منظمّة التحرير الفلسطينيّة، وإلى “نداءات..” صور والنبطيّة وكلّ دسكرة جنوبيّة ذاقت الأمرّين في النزوح المتكرّر وفي موت الغوالي وفي خسارة جنى العمر!
حتّى نبيه برّي استراح:جمع ما بين السفير الأميركي والمجلس الشيعيّ الأعلى، وأغمض عينيه عن ردّات فعل حزب الله الذي سكت (عجزاً..وليس تكتيكاً أو صبراً استراتيجيّاً كما يحاول تخفيف هول الموقف ما تبقّى من إعلام ممانع) عن زلزال علي الطاهر..وأشار، على طريقته، بالسماح لمرور جيش الدولة صوب النبطيّة، في محاولة أخيرة للجم اندفاعة الجيش الإسرائيلي، ولإفهام الحزب بأنّ لعبة “الثنائي الشيعي” قد انتهت، كما انتهت منذ حوالي النصف قرن “ثنائيّة المقاومة الفلسطينيّة – الحركة الوطنيّة”!
بعد نصف قرن بالتمام، نشرب العلقم من “نفس الكأس”، مستعيدين التجربة المملّة القاتلة بجزئيّاتها وعموميّاتها، مؤكّدين للملأ أنّنا شعوب لا نتعلّم.لا نقرأ.نكتفي بالإستمتاع بضجيج الخطب الرنّانة.نتلذّذ بالدوران في مساحة ضيّقة واحدة كحلقات ذِكر أتباع المدرسة الصوفيّة:نشوة عالية، هذيان..حلقة مفرغة، والعودة الدائمة إلى ذي بدء!!
