
بقلم د. نواف كبارة
على امتداد أكثر من قرن، شكّل الإسلام السياسي واحداً من أهم التيارات الفكرية والسياسية في العالم العربي والإسلامي. تعدّدت تنظيماته ومدارسه ومناهجه، من الحركات التي اختارت الانتخابات والعمل السياسي السلمي إلى الحركات الثورية، وصولاً إلى التنظيمات الجهادية المتطرفة. ورغم الاختلافات الكبيرة بينها، بقيت خلف جزء مهم منها فكرة مركزية: أن أزمة المجتمعات العربية والإسلامية يمكن تجاوزها بالعودة إلى نموذج سياسي إسلامي يعيد للأمة وحدتها وقوتها ومكانتها.
اليوم، وبعد تجارب طويلة ومكلفة، أصبح من الضروري طرح السؤال الصعب:
هل ما زال هذا المشروع قادراً على تقديم رؤية للمستقبل؟
فشل مشروع الدولة الواحدة
كان حلم الوحدة أحد أكثر الأحلام حضوراً في التاريخ السياسي العربي الحديث.
حمله القوميون العرب بصيغة الدولة العربية الواحدة، وحملته تيارات الإسلام السياسي بصيغة الأمة الإسلامية واستعادة الخلافة أو بناء الدولة الإسلامية الجامعة.
لكن المشروعين اصطدما بالواقع نفسه تقريباً.
لم تقم الدولة العربية الواحدة، ولم تقم الدولة الإسلامية الواحدة. بل ترسخت الدول الوطنية وتعززت الحدود، وتطورت هويات ومصالح وطنية مختلفة.
وبعد قرن تقريباً من المحاولات، يبدو أن فكرة إلغاء هذا الواقع وإعادة جمع المنطقة في دولة عقائدية واحدة لم تعد مشروعاً سياسياً واقعياً.
لكن أزمة الإسلام السياسي أعمق من فشل مشروع الوحدة.
إنها أزمة في علاقته بالزمن نفسه.
عندما يصبح الماضي مشروعاً للمستقبل
نشأت الحضارة الإسلامية في سياق تاريخي معين، وقدمت في مراحل عديدة مساهمات ضخمة في الفكر والعلم والفلسفة والطب والإدارة والتجارة. وليس المطلوب إنكار هذا التاريخ أو التقليل من قيمته.
المشكلة تبدأ عندما يتحول التاريخ من مصدر للهوية والخبرة إلى برنامج سياسي جاهز للمستقبل.
فجزء كبير من خطاب الإسلام السياسي لا يزال يبحث عن شرعية المستقبل في نموذج سياسي واجتماعي تشكل قبل أكثر من أربعة عشر قرناً.
وهنا يظهر التناقض الأساسي.
فبينما يتجه العالم إلى الأمام بسرعة ربما لم تعرف البشرية مثيلاً لها، لا يزال جزء من الخطاب السياسي الإسلامي يسأل: كيف نعيد بناء المجتمع وفق النموذج الأول؟
العالم يناقش الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية والحوسبة الكمية والروبوتات ومستقبل العمل وتغير المناخ والاقتصاد الرقمي ومستقبل الديمقراطية في عصر الخوارزميات.
وفي المقابل، لا يزال جزء من خطابنا السياسي يناقش أسئلة نشأت في مجتمعات لم تعرف الدولة الحديثة ولا الاقتصاد الصناعي ولا المواطنة بالمفهوم المعاصر ولا حقوق الإنسان الدولية ولا الإنترنت، فضلاً عن الذكاء الاصطناعي.
وهذا ليس صراعاً بين الدين والعلم.
إنه صراع بين منهجين في التعامل مع الزمن.
لا يمكن دخول المستقبل بعقل سياسي من الماضي وهنا نصل إلى المعضلة الأكثر حساسية.
لا يستطيع الإسلام السياسي أن يدخل الشرق الأوسط الجديد وهو يحمل معه كما هي منظومات فكرية واجتماعية تبلورت في ظروف تاريخية مختلفة جذرياً عن ظروف عصرنا.
فالمجتمع الحديث أعاد تعريف العلاقة بين الفرد والدولة، وبين الرجل والمرأة، وبين الحاكم والمحكوم، وبين الأكثرية والأقلية، وبين الدين والفضاء العام.
وأصبحت الحرية الفردية، والمساواة أمام القانون، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحرية الاعتقاد والتعبير، وحقوق الأقليات، والمشاركة السياسية، وتداول السلطة، والمساءلة، عناصر أساسية في مفهوم الدولة الحديثة.
لذلك لا يستطيع أي مشروع سياسي معاصر، إسلامياً كان أم غير إسلامي، أن يتعامل مع هذه المبادئ باعتبارها قضايا هامشية أو أفكاراً مستوردة يمكن قبول بعضها ورفض بعضها الآخر وفق مقتضيات السلطة.
فالسؤال لم يعد فقط: هل الإسلام السياسي يقبل الانتخابات؟
السؤال أعمق بكثير.
هل يقبل الحرية حتى عندما تنتج الحرية خيارات لا يتفق معها؟
هل يقبل حق المرأة في المساواة الكاملة باعتبارها مواطنة، لا باعتبارها مجرد عضو في الأسرة أو سلعة جنسية؟
هل يقبل أن المواطن غير المسلم يمتلك الحقوق السياسية نفسها التي يمتلكها المسلم؟
هل يقبل حرية الفكر والاعتقاد والضمير؟
هل يقبل تداول السلطة عندما يخسر الانتخابات، كما يقبله عندما يفوز بها؟
هل يقبل استقلال القضاء وحرية الصحافة والمجتمع المدني والفصل بين السلطات؟
وهل يقبل أن حقوق الإنسان ليست منحة تمنحها الأكثرية للأقلية، بل حقوقاً أصيلة للإنسان لا يجوز للسلطة السياسية انتزاعها؟
هذه ليست تفاصيل في البرنامج السياسي.
إنها اختبار علاقة الإسلام السياسي بالحداثة السياسية نفسها.
المرأة هي الاختبار الأصعب
ولعل قضية المرأة تمثل أحد أكثر الاختبارات وضوحاً.
لقد تغير موقع المرأة في المجتمع بصورة جذرية. المرأة اليوم عالمة وطبيبة وقاضية ووزيرة ورئيسة حكومة ومديرة شركة وأستاذة جامعية ورائدة فضاء ومهندسة ذكاء اصطناعي.
ومن الصعب تصور مشروع للمستقبل يتعامل معها من خلال تقسيمات اجتماعية صيغت في ظروف اقتصادية واجتماعية مختلفة جذرياً.
لا يكفي القول إن الإسلام كرّم المرأة.
السؤال السياسي هو: ما الحقوق الفعلية التي تتمتع بها المرأة اليوم؟
هل تتمتع بالمواطنة الكاملة وهل تم الإقرار بعدم دونيتها وان جسدها ليس بعورة أو سلعة جنسية وانه لا وجود لامراة جارية وأخرى محصنة بل المساواة بين كل النساء؟ وهل تم الإقرار بان المرأة متساوية مع الرجل في الفكر والذكاء والمشاركة السياسية وان شهادتها مساوية لشهادة الرجل ولها الحق بميراث متساو مع الرجل طالما ان المرأة الحديثة هي متساوية مع الرجل بالفكر والعلم وهي قادرة على ادارة أمورها بذاتها؟
هل تمتلك الحق نفسه في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها؟
هل تخضع للقانون نفسه؟
هل تستطيع الوصول إلى جميع مواقع القرار؟
وهنا يصبح التجديد الفكري ضرورة وليس ترفاً.
من حرفية الحكم إلى مقاصد القيم
ربما يحتاج الفكر الإسلامي المعاصر إلى انتقال كبير من التركيز المفرط على إعادة إنتاج الأحكام التاريخية إلى البحث عن المقاصد والقيم التي تقف خلفها.
فالعدل، والكرامة الإنسانية، والرحمة، ومنع الظلم، وحماية الضعيف، والمسؤولية، والشورى، واحترام الإنسان يمكن أن تشكل أساساً أخلاقياً إسلامياً قوياً لمجتمع معاصر. وكما قلنا سابقا ان الهدف الأسمى لمكارم الأخلاق هو إخراج الإنسان من تحكم غرائزه في حب السلطة والمال والشهوة، ومن تحويل الإنسان إلى سلعة أو وسيلة، وصولاً إلى بناء مجتمع يعترف بإنسانية الجميع ويحقق المساواة بينهم.
بناء عليه يصبح السؤال مختلفاً.
بدلاً من أن نسأل: ما هي المفاهيم التي اعتمدها المسلمون في تنظيم انفسهم اجتماعيا، اقتصاديا، وسياسبا قبل ألف عام؟
نسأل:
كيف نحقق قيمة العدل اليوم؟
كيف تتحقق الكرامة الإنسانية؟
كيف نحمي الإنسان من سلطة الدولة؟
كيف نحقق المساواة بين المواطنين؟
كيف نحمي المجتمع من التمييز؟
كيف نصون حرية الإنسان وضميره؟
وكيف نتعامل مع مسائل لم يعرفها الفقه القديم أصلاً، من الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية إلى ملكية البيانات والخصوصية الرقمية؟
هنا يتحول الاجتهاد من محاولة لاستنساخ الماضي إلى أداة لصناعة المستقبل.
الذكاء الاصطناعي يغير السؤال كله
نحن على أبواب تحول قد يكون أعمق من الثورة الصناعية نفسها.
فالذكاء الاصطناعي لن يغير فقط الأدوات التي نستخدمها، بل قد يعيد تشكيل الاقتصاد والعمل والتعليم والإدارة والحرب والإعلام والعلاقات الاجتماعية، وربما مفهوم السلطة السياسية ذاته.
وهنا يصبح السؤال الذي يجب أن تواجهه الحركات السياسية في المنطقة مختلفاً جذرياً:
ليس كيف كان يجب أن تدار الدولة قبل أربعة عشر قرناً، بل:
كيف يجب أن تدار الدولة بعد عشرين عاماً؟
كيف نحمي الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي؟
من يملك البيانات والخوارزميات؟
كيف نحمي الحرية والخصوصية؟
كيف نعيد توزيع الثروة إذا أصبح الإنتاج أقل اعتماداً على العمل البشري؟
كيف نضمن ألا تتحول التكنولوجيا إلى أداة للاستبداد؟
وأي تيار سياسي، إسلامياً كان أم قومياً أم يسارياً أم ليبرالياً، لا يستطيع تقديم أجوبة عن هذه الأسئلة سيجد نفسه تدريجياً خارج حركة التاريخ.
المشكلة ليست في الإسلام
وهنا يجب أن يكون التمييز واضحاً.
القول بأزمة الإسلام السياسي لا يعني القول بأزمة الإسلام.
الإسلام دين وحضارة وثقافة وهوية لمئات الملايين من البشر، وسيبقى أحد المكونات الأساسية لمجتمعات المنطقة لكن النص الديني بحاجة إلى اعادة نظر دائمة لكي يتماشى مع حركة التاريخ ومع المتطلبات الفكرية والحياتية لكل عصر.
الإسلام دين وحضارة وثقافة وهوية لمئات الملايين من البشر، وسيبقى أحد المكونات الأساسية لمجتمعات المنطقة، لكن النص الديني بحاجة إلى إعادة نظر دائمة لكي يتماشى مع حركة التاريخ ومع المتطلبات الفكرية والحياتية لكل عصر. إن الهدف من أي دين هو مكارم الأخلاق، وأسمى ما فيها تحرير الإنسان من استعباد غرائزه ونزعاته إلى السلطة والمال والشهوة، وإنهاء النظر إلى الإنسان بوصفه سلعة، وترسيخ المساواة والكرامة الإنسانية بين البشر.
بل إن الحضارة الإسلامية نفسها لم تبلغ مراحل ازدهارها لأنها أغلقت أبوابها أمام العالم، بل لأنها تفاعلت معه وترجمت علومه وفلسفاته وطورتها وأضافت إليها.
ولذلك فإن أفضل طريقة للحفاظ على الدور الحضاري للإسلام ليست محاولة إعادة المسلمين إلى القرن السابع، بل تمكينهم من أن يكونوا فاعلين في القرن الحادي والعشرين.
ماذا يبقى من الإسلام السياسي؟
هذا لا يعني بالضرورة اختفاء الحركات الإسلامية. بل قد يعني تحولها.
يمكن أن تظهر أحزاب ذات مرجعية أخلاقية إسلامية تعمل داخل الدولة الوطنية والديمقراطية، وتقبل تداول السلطة والمواطنة المتساوية وحقوق الإنسان والمساواة بين النساء والرجال وحرية الاعتقاد والتعددية، وتقدم برامج اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية قابلة للتطبيق.
عندها تصبح المرجعية الإسلامية مصدراً للقيم والأخلاق، لا مخططاً جاهزاً لشكل الدولة.
والفرق بين النموذجين هائل.
الأول يسأل:
كيف نعيد بناء دولة الماضي؟
أما الثاني فيسأل:
كيف تساعدنا قيمنا في بناء دولة المستقبل؟ دولة يتحكم فيها العدل والحرية والمشاركة السياسية في صناعتها وليس منطق القوة والقهر والتمييز والقمع.
الإسلام السياسي أمام خياره التاريخي
الشرق الأوسط الجديد لن ينتظر أحداً.
العالم يدخل عصر الذكاء الاصطناعي، وتتغير فيه مفاهيم العمل والإنتاج والمعرفة والقوة والسيادة والإنسان نفسه.
وفي هذا العالم، لا يكفي أن يمتلك التيار السياسي إجابات عن أسئلة الماضي.
عليه أن يمتلك أسئلة المستقبل أولاً.
وهنا يقف الإسلام السياسي أمام خيار تاريخي.
إما أن يبقى مشروعاً يسعى إلى إعادة إنتاج مجتمع مضى، فيبتعد أكثر فأكثر عن حركة التاريخ.
وإما أن يقوم بمراجعة فكرية عميقة تعيد النظر في مفهوم الدولة والسلطة والمواطنة والمرأة والحريات وحقوق الإنسان، وتعيد فتح باب الاجتهاد والتفسير بما يجعل الفكر الإسلامي قادراً على التفاعل مع تحولات العصر.
وهذا لا يعني التخلي عن الإسلام.
قد يعني العكس تماماً: تحرير الإسلام من أسر القراءة التاريخية الواحدة له.
فالمشكلة ليست أن للإسلام تاريخاً عمره أربعة عشر قرناً. تلك ثروة حضارية هائلة.
المشكلة تبدأ عندما نعتقد أن علينا أن نعيش القرن الخامس عشر الهجري بالأجوبة نفسها التي أنتجتها القرون الأولى.
إن التحدي الحقيقي أمام الإسلام السياسي ليس استعادة الماضي، بل إثبات أن المرجعية الإسلامية قادرة على إنتاج فكر سياسي للإنسان الذي سيعيش في عالم الذكاء الاصطناعي.
ولذلك فإن السؤال الحاسم ليس:
كيف نعيد التاريخ؟
بل:
كيف نقرأ تراثنا من داخل حركة التاريخ لكي نشارك في صناعة المستقبل؟
فالحضارات لا تموت لأنها تمتلك ماضياً.
إنها تبدأ بالتراجع عندما يصبح الماضي هو المكان الوحيد الذي تستطيع أن تتخيل فيه مستقبلها.
