
بقلم إحسان الطبش
لم يعد الحديث عن الصحة النفسية في لبنان ترفاً أو قضية مؤجلة إلى ما بعد وقوع المأساة. فالأرقام المتزايدة، والضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية المتراكمة، تفرض سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا يمكن أن نفعل قبل أن يصل الإنسان إلى اللحظة التي يشعر فيها بأن لا مخرج أمامه؟في خطوة وطنية على صعيد الصحة النفسية، اعتمد لبنان 10 أيلول من كل عام يوماً وطنياً للوقاية من الانتحار والتوعية حول الصحة النفسية، في إطار توجه رسمي إلى جعل الوقاية من الانتحار والصحة النفسية جزءاً من المسؤولية المشتركة بين الدولة والمجتمع، وتعزيز التوعية والكشف المبكر والوصول إلى خدمات الدعم النفسي. لكن خلف هذا الإعلان، تقف أرقام لا يمكن تجاهلها.110 حالات خلال ثمانية أشهربحسب البيانات التي أعدّتها قوى الأمن الداخلي حتى نهاية آب 2026، سُجّلت 110 حالات وفاة نتيجة الانتحار في لبنان خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، أي بمعدل يقارب حالة واحدة كل يومين.ويقترب هذا الرقم، خلال ثمانية أشهر فقط، من إجمالي الحالات المسجلة طوال عام 2024، والتي بلغت 129 حالة وفق البيانات المتاحة.وتوزعت الحالات المسجلة في عام 2026 بين المحافظات، وسجّل جبل لبنان العدد الأعلى بـ51 حالة، يليه الشمال بـ24 حالة، والبقاع والجنوب بـ12 حالة لكل منهما، فيما سُجّلت 11 حالة في بيروت.أما على مستوى الأشهر، فكان نيسان الأعلى بـ25 حالة، فيما تراوحت الأرقام في بقية الأشهر بين 10 و13 حالة، وفق الجدول الإحصائي.وتكشف الأرقام كذلك تفاوتاً واضحاً بين الجنسين، إذ بلغت الحالات بين الرجال 86 حالة مقابل 24 حالة بين النساء.أما الفئات العمرية، فسجّلت الفئة الممتدة بين 22 و31 عاماً العدد الأعلى بـ25 حالة، تلتها فئتا 12–21 عاماً و52–61 عاماً بـ18 حالة لكل منهما، ثم 32–41 عاماً بـ17 حالة، و42–51 عاماً بـ16 حالة، فيما توزعت الحالات المتبقية على الفئات العمرية الأكبر سناً.الشباب والرجال… ماذا تقول الأرقام؟وفي قراءة نفسية وعلمية لهذه الأرقام، تشرح هلكا عمر علاء الدين دكتورة في علم النفس ومساعدة عميدة كلية العلوم الإنسانية في جامعة بيروت العربية لموقع “ديمقراطيا نيوز” أن الحرب الأخيرة على لبنان كشفت عن تراجع عام في الصحة النفسية، وظهور عدد من الاضطرابات، من بينها ارتفاع حالات الانتحاروتؤكد علاء الدين أن الانتحار لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل غالباً ما ينتج عن تفاعل مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والضغوط المتراكمة والمستمرة.وتعدد من أبرز هذه العوامل: الاكتئاب، والقلق، والشعور بالوحدة، وفقدان المعنى في الحياة، والأزمات العاطفية، والمشكلات الاقتصادية، والبطالة، والنزاعات الأسرية، والتنمر، والتعرض للعنف أو الصدمات، إضافة إلى تعاطي المواد المخدرة.وتشرح أن الشاب قد يصل في لحظة من الأزمات إلى الاعتقاد بأن الوضع الذي يمر به دائم، وأنه غير قادر على إيجاد حل أو مواجهة ما يحدث، خصوصاً عندما يفتقد الدعم الأسري والاجتماعي أو القدرة على طلب المساعدة.لكنها تشدد في المقابل على أن وجود هذه العوامل لا يعني أن الانتحار حتمي، مشيرةً إلى أن التدخل المبكر والدعم المناسب يمكن أن يشكلا عاملاً وقائياً ويحدثا فرقاً كبيراً.أما بالنسبة إلى الفارق الكبير بين الرجال والنساء في الأرقام المسجلة، فتدعو علاء الدين إلى عدم تحويل هذه النسبة وحدها إلى استنتاج عام بأن الرجال اللبنانيين هم الأكثر عرضة للتفكير بالانتحار، مؤكدة أن الرقم يحتاج إلى قراءة علمية أوسع.وتشير إلى أن الدراسات والأدبيات العلمية تتحدث عن عوامل اجتماعية وثقافية قد تجعل بعض الرجال أكثر تردداً في التعبير عن الضعف النفسي أو طلب المساعدة، نتيجة تصورات تربط الرجولة بالتحمل والصمت، إلى جانب الخوف من الوصمة أو فقدان المكانة.وقد يظهر الضيق النفسي لدى بعض الرجال بصورة غير مباشرة، من خلال الغضب أو العزلة أو السلوكيات الخطرة أو الإفراط في تعاطي المواد، بدلاً من التعبير الصريح عن الحاجة إلى الدعم.ومن هنا، ترى علاء الدين أن الوقاية تتطلب تثقيفاً نفسياً مجتمعياً يجعل طلب المساعدة أمراً طبيعياً ومقبولاً للجميع، ولا سيما الرجال.الوقاية تبدأ قبل لحظة الخطرلا تقتصر الوقاية، بحسب علاء الدين، على العلاج بعد وقوع الأزمة، بل تبدأ من القدرة على ملاحظة العلامات الأولى التي قد تشير إلى أن الشخص يمر بضائقة نفسية شديدة.ومن أبرز العلامات التي تستدعي الانتباه: الانسحاب الاجتماعي المفاجئ، التغيرات الحادة في المزاج، فقدان الاهتمام بالهوايات ومختلف جوانب الحياة، الحديث عن انعدام القيمة أو عدم الرغبة في الحياة، توديع الآخرين، السلوكيات الخطرة، أو التعبير المباشر عن أفكار انتحارية.وتشدد على ضرورة عدم تجاهل هذه الإشارات أو اعتبارها مجرد محاولة للفت الانتباه.أما التدخل الصحيح، فيبدأ، وفق شرحها، بالاقتراب من الشخص بهدوء وسؤاله عن حاله، والتعبير عن القلق تجاهه والرغبة في فهم ما يمر به، ثم يمكن طرح السؤال بصورة مباشرة ومحترمة حول وجود أفكار لإيذاء النفس أو إنهاء الحياة.وتوضح أن السؤال المباشر لا يعني دفع الشخص نحو الانتحار، بل قد يخفف شعوره بالعزلة ويفتح أمامه الباب لطلب الدعم المتخصص.وتشدد على أهمية الإصغاء إليه من دون لوم أو توبيخ أو استخفاف، وتشجيعه على التواصل مع مختص في الصحة النفسية، وعدم تركه وحيداً إذا كان الخطر وشيكاً.كما تلفت إلى مسؤولية الجامعات وأماكن العمل في توفير مراكز دعم متخصصة ومهنية، باعتبار أن الوقاية ليست مسؤولية الفرد وحده، بل مسؤولية البيئة المحيطة به أيضاً.”ألمك حقيقي… ولست مضطراً إلى مواجهته وحدك”في المقابل، تلفت الدكتورة علاء الدين إلى أن بعض العبارات التي قد يظن المحيط أنها مشجعة يمكن أن تزيد شعور الشخص بالعزلة، مثل: “كن قوياً”، أو “هناك من يعاني أكثر منك”، أو “فكّر بإيجابية”.والبديل، بحسبها، هو الاستماع والتفهم والتعاطف، والتأكيد على أهمية الشخص وقيمته ومزاياه، ومساعدته في الوصول إلى الرعاية والعلاج والدعم المتخصص.وتلخص رسالتها للشخص الذي يمر بأزمة نفسية بالقول:”ألمك حقيقي، ولستَ مضطراً إلى مواجهته وحدك، وطلب المساعدة ليس ضعفاً أو عيباً”.وفي حال وجود خطر مباشر، تشدد على ضرورة طلب المساعدة الطارئة فوراً وعدم ترك الشخص بمفرده.وفي لبنان، يمكن التواصل مع خط الحياة الوطني 1564 للحصول على الدعم النفسي والوقاية من الانتحار، وهو خط مجاني ومتاح على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وفق وزارة الصحة العامة وجمعية Embrace. من يوم على الروزنامة إلى ثقافة وقايةإعلان 10 أيلول يوماً وطنياً لا ينبغي أن يبقى مجرد تاريخ على الروزنامة. فوزارة الصحة تربط هذه الخطوة بالوقاية والكشف المبكر والوصول إلى الرعاية والحد من الوصمة، ضمن الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية 2024–2030. كما أن هذا المسار يأتي بعد سنوات من العمل الذي قامت به جهات متخصصة، وفي مقدمتها جمعية Embrace، التي تعمل على الوقاية من الانتحار والدعم النفسي من خلال خط الحياة الوطني 1564 بالشراكة مع البرنامج الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة العامة. وفي بلدٍ أنهكته الحروب والأزمات، ربما تكون الخطوة الأولى في الوقاية أبسط مما نتصور: أن نسأل، أن نصغي، وأن نأخذ الألم على محمل الجد.فبين شخصٍ يختار الصمت ومحيطٍ يقرر أن يسمع، قد يكون هناك فارق لا يُقاس بالكلمات، بل بحياة تُنقذ!
