
بقلم الياس عيسى الياس
بعد أكثر من ست سنوات على تفجير مرفأ بيروت، أقف كأي لبناني أمام هذا الملف لأتساءل: كيف يعقل لدولة بجميع أجهزتها أن تقف عاجزة—أو ممتنعة—عن تقديم جواب شافٍ لمن فقدوا أحبتهم ودُمّرت بيوتهم؟
نحن لا نتحدث هنا عن نصوص جافة أو أرقام في أوراق قضائية، بل عن ألم محفور في وجدان كل عائلة نزل بها هذا البلاء، وعن عاصمة بُتر جزء من روحها في لحظة واحدة.
اليوم، يدخل هذا الملف المفصلي مرحلة جديدة مع وصول مطالعة النيابة العامة التمييزية، التي أعدّها المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب في مئات الصفحات، إلى مكتب المحقق العدلي القاضي طارق البيطار.
هذه الخطوة تشكل محطة إجرائية بارزة، لكنها تضعنا جميعاً أمام الامتحان الأصعب: هل سنصل أخيراً إلى حقيقة تحمي العباد وتصون البلاد، أم سنبقى ندور في الفلك نفسه؟
تأتي هذه التطورات في وقت يشتعل فيه الرأي العام وتضج الوسائل الإعلامية بالسجالات والتسريبات حول الأسماء المشمولة بالشبهات. وفي المقابل، تترسخ المواجهة القانونية مع تقدم الرئيس السابق ميشال عون—عبر وكيله المحامي وديع عقل—بشكوى رسمية أمام النيابة العامة التمييزية ضد مجهول، بتهم إفشاء سرية التحقيق والافتراء واختلاق الأضاليل.
وهنا يبرز انشغال إنساني وعميق: كيف نكفل حقوق الدفاع للمتهمين ونحمي سرية التحقيق من التحول إلى أداة إدانة إعلامية قبل كلمة القضاء، وفي الوقت ذاته نلبي حق الناس وأهالي الضحايا الذين فُجعوا بأبنائهم في معرفة ما جرى ليلة الرابع من آب؟ لكن هذا التجاذب يجب ألا يتحول إلى ساتر يعمي أنظارنا عن أصل الفاجعة وجوهر المساءلة.
بعيداً عن السجال الإعلامي، يأخذني التفكير إلى مفهوم “التقاعس والامتناع عن الفعل”. حين يعلم من يحمل أمانة المسؤولية في أعلى هرم السلطة أو في الوزارات والأجهزة المختصة بوجود خطر داهم—كأطنان من المواد الكيميائية شديدة الانفجار المتروكة في قلب المدينة—فإن الواجب الدستوري والأخلاقي يفرض التدخل السريع لحماية أرواح الناس.
وتزداد هذه المسألة أهمية مع ما تسرّب عن استناد المطالعة إلى عدم عرض الرئيس السابق ملف هذه الشحنة الخطرة على جلسات مجلس الدفاع الأعلى رغم انعقادها برئاسته وعلمه بوجودها. إن البحث في هذا التقصير ومدى مسؤوليته الجزائية هو سؤال يمس أمن كل فرد منا، ويبقى التكييف النهائي لهذا الفعل رهناً بما تثبته الأدلة القاطعة في أوراق التحقيق لا ما تتداوله الوسائل الإعلامية.
وهنا نصطدم جميعاً بالعقبة الكبرى التي طالما أرقت اللبنانيين: عقبة المادة 60 من الدستور. فهذه المادة تحصر اتهام رئيس الجمهورية بمجلس النواب وبغالبية ثلثي أعضائه، ليمثل بعدها أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
وهذا يعني للأسف أن مسار المحاسبة ينزلق سريعاً ليرتهن للتوازنات السياسية وموازين القوى تحت القبة البرلمانية. فبين من يرى في هذا المسار الدستوري الاستثنائي ضمانة للموقع والمؤسسات، ومن يرى فيه معبراً معطِّلاً أثبتت التجربة أنه يُستخدم لإغلاق باب المحاسبة، يضيع المواطن البسيط بين النص القانوني ومرارة الواقع.
إن هذا التنازع بين الحصانات والصلاحيات لم يظل محبوساً داخل أروقة المحاكم، بل نقل الأزمة إلى الميدان، وكان الوقود الذي أطلق المعارك السياسية ضد المحقق العدلي طارق البيطار.
لقد شهدنا جميعاً كيف تعطّل التحقيق لشهور طويلة بسبب دعاوى كف اليد، وكيف انقسمت البلاد بين من يرى في التحقيق استهدافاً سياسياً ومن يراه الأمل الأخير لإخضاع المسؤولين لحكم القانون. وكم كان مؤلماً أن نرى هذا الاحتقان يتحول إلى دماء وسلاح في الشارع خلال أحداث الطيونة في تشرين الأول 2021.
من وسط هذا الوجدان الجريح، أستشعر أن “تكافؤ المعاملة ووحدة المسطرة” هما الملاذ الوحيد المتبقي لنا لحماية القضاء ومنع تجزئة العدالة. فالعدالة الحقيقية لا تقاس بكثرة الأسماء أو بقوتها، بل بأن يطبق القانون بذات الصرامة والعدل على الجميع دون استثناء.
ويبقى السؤال الذي يشغل بال كل مواطن يتطلع إلى الأمن والعدل: هل تقف هذه المسؤولية عن التقاعس والعلم بالخطر عند حدود المسؤولين السياسيين، أم إنها تمتد لتشمل القيادات العسكرية والأمنية التي أوكل إليها حفظ الأمن المباشر للمرفأ والمواد المخزنة فيه؟
وهذا التساؤل ينطبق أيضاً على المسارات القضائية السابقة؛ فقد سبق للمحقق العدلي السابق القاضي فادي صوان أن ادّعى على رئيس حكومة تصريف الأعمال السابق حسان دياب وثلاثة وزراء سابقين، قبل أن ينتهي ذلك المسار بدعاوى الرد وتنحيته عن الملف.
ومن حق الناس أن تفهم بوضوح وشفافية المعايير التي تحدد ملاحقة أي مسؤول انتقالاً من مرحلة الاستماع إلى المساءلة الجزائية. إن توضيح هذه القواعد للرأي العام بأسلوب مستقيم هو الضمانة الوحيدة لإبعاد شبهة السياسة ولترميم ثقة المواطن بقضائه.
إن ما نطالب به جميعاً اليوم، وفي قضية امتزجت بدماء الشهداء وجراح آلاف المصابين ودمار نصف العاصمة، ليس إصدار أحكام مسبقة بحق أحد، ولا إسباغ حصانات مسبقة على أحد.
فالكلمة الأخيرة والمسؤولية الكبرى تقعان على عاتق المحقق العدلي طارق البيطار، إذ إن مطالعة النيابة العامة مجرد رأي استشاري غير ملزم له. وسيكون عليه في قراره الاتهامي المرتقب أن يشرح للناس ولأهالي الضحايا بلغة واضحة كيف قادته الأدلة والوقائع الثابتة إلى رسم خريطة المسؤوليات، بعيداً عن أي ضغوط أو حسابات.
نحن بحاجة إلى مسطرة واحدة، وأدلة تُوزن بميزان واحد، وقرار قضائي صريح يُبيّن للناس بالحق والقانون لماذا يُحاسَب هذا المسؤول ويُستثنى ذاك. فلا نريد عدالة انتقائية تُستغل لتصفية الحسابات لأنها طالت وزيراً أو رئيساً سابقاً، ولا نريد عدالة صورية تُرفع كشعار بلا مضمون.
بين هذين الحدين فقط تقام العدالة التي ينشدها أهالي الضحايا، وتُصان دولة القانون في لبنان.
