
بقلم ياسمين شعبان
بين اجتماع باريس التمهيدي لدعم الجيش اللبناني والقمة الثلاثية التي جمعت الرئيس جوزاف عون بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، تتجه الأنظار إلى مستقبل الجنوب والترتيبات الأمنية المرتقبة بعد “اليونيفيل”.
وفي حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، يقدّم العميد المتقاعد فادي داوود قراءة استراتيجية لهذه التطورات، معتبرًا أن الدعم الدولي للجيش بات جزءًا من مسار سياسي وأمني أوسع، قد يعيد تحديد طبيعة الرعاية الدولية للبنان.
مؤتمر باريس… الدعم مقابل التزامات سياسية
يوضح داوود أن اجتماع باريس جاء استكمالًا للقاء القاهرة في شباط 2026، الذي شارك فيه قائد الجيش العماد رودولف هيكل وممثلون عن الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية وقطر ومصر، مشيرًا إلى أن هذا التسلسل يعكس اهتمامًا دوليًا متواصلًا بتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية اللبنانية. ويرى أن الرسالة السياسية للمؤتمر مزدوجة؛ فمن جهة، يجري تثبيت الجيش بوصفه المؤسسة الشرعية الوحيدة المقبولة دوليًا لإدارة المرحلة الانتقالية في الجنوب، ومن جهة أخرى، يُربط تقديم الدعم بتنفيذ التزامات سياسية وأمنية ملموسة.
وبحسب داوود، فإن المؤتمر ليس مناسبة بروتوكولية لإعلان التضامن مع الجيش، بل أداة ضغط تفاوضية تقوم على معادلة واضحة: المساعدات مقابل التزامات، وليس دعمًا مفتوحًا من دون شروط.
مخاوف من فراغ أمني… والتسليح النوعي مؤجّل
ويميز داوود بين الاجتماع التحضيري ومؤتمر المانحين الدولي الذي تسعى فرنسا إلى تنظيمه منذ أشهر، موضحًا أن اللقاء لم يكن مخصصًا لإعلان مساعدات مالية وعسكرية ضخمة، بل لتحديد احتياجات الجيش، وتقييم قدرته على تنفيذ المهمات المطلوبة منه، وتوزيع المساهمات بين الدول الداعمة، تمهيدًا لمؤتمر سياسي أوسع لم يُحسم موعده بعد.
ويشير إلى أن الاجتماع أفضى إلى الاتفاق على لائحة أولويات للدعم، فيما تناولت المداولات المغلقة مستقبل الجنوب بعد “اليونيفيل” والمقترح الفرنسي–الإيطالي، وسط توجس لدى غالبية المشاركين من احتمال نشوء فراغ أمني.
ويشرح أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بنوعية السلاح وحدها، بل بالفجوة الزمنية والوظيفية التي قد تنشأ بين انسحاب القوات الدولية واكتمال جهوزية الجيش لتولي مسؤولياتها ميدانيًا. أما في ملف التسليح، فيعتبر داوود أن المحدد الأساسي سياسي وليس تقنيًا، إذ يرتبط الحصول على أسلحة متطورة بالتقدم في مسار حصرية السلاح ونزع سلاح حزب الله.
ولهذا السبب، يتوقع أن يبقى تزويد الجيش بمنظومات دفاع جوي ومضادات دروع متقدمة مؤجلًا، مقابل التركيز على وسائل النقل والاتصالات والاستطلاع والتجهيزات اللوجستية. وبذلك، يكون الدعم المطروح تمكينيًا، يهدف إلى تعزيز الانتشار والقدرة على تنفيذ المهمات، أكثر منه دعمًا قتاليًا نوعيًا.
القمة الثلاثية… من الرعاية الفرنسية إلى الشراكة العربية–الأوروبية
وفي قراءته للقمة الثلاثية، يرى داوود أن مشاركة الأردن إلى جانب فرنسا ولبنان تعكس محاولة لتوسيع دائرة الرعاية الدولية، وعدم إبقاء الملف اللبناني تحت المظلة الفرنسية وحدها. ويربط هذا التوجه بما يعتبره إخفاقًا للدبلوماسية الفرنسية خلال السنوات الماضية، سواء في الاستحقاق الرئاسي أو محاولات دعم مرشحين، معتبرًا أن باريس تسعى اليوم إلى إعادة تحديد موقعها بوصفها دولة مساعدة وداعمة، بدل الاستمرار في دور الوسيط السياسي الحصري.
ويعتقد أن انضمام الأردن ودول عربية أخرى يمنح الملف غطاءً إقليميًا أوسع، ويمهّد للانتقال من رعاية يغلب عليها الطابع الفرنسي–الغربي إلى شراكة عربية–أوروبية–أممية، مع استمرار التأثير الأميركي من خلال الإشراف على تنفيذ التفاهمات الأمنية.
حصرية السلاح والانسحاب الإسرائيلي… مسارات مترابطة
ويعتبر داوود أن مستقبل الجنوب يرتبط بثلاثة مسارات متزامنة: حصرية السلاح، والانسحاب الإسرائيلي، وضبط الحدود، مشددًا على أن التعامل معها بصورة منفصلة لا يعكس طبيعة الترتيبات المطروحة. ويشرح أن اتفاق الإطار، وفق قراءته، يقوم على ربط الانسحاب الإسرائيلي بتولي الحكومة اللبنانية نزع سلاح حزب الله، ضمن مسار تدريجي يعيد بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
ويتضمن هذا المسار، بحسب داوود، انتشار الجيش في مناطق تجريبية في الجنوب، بالتوازي مع نزع سلاح الجماعات غير التابعة للدولة وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق المشمولة بالترتيبات.
ويتحدث عن محادثات على مستوى السفراء بين لبنان وإسرائيل لتحديد المناطق التي ستخضع للسيطرة العسكرية اللبنانية الحصرية، على أن تتولى الولايات المتحدة الإشراف على التنفيذ، بما يشمل المناطق التي تنسحب منها إسرائيل.
ويرى أن استمرار الرقابة الأميركية، حتى بعد الانسحاب، يعني أن ممارسة السيادة اللبنانية خلال المرحلة الانتقالية ستبقى خاضعة لآلية إشراف خارجي، بدل أن تكون مطلقة.
ما بعد “اليونيفيل”… البحث عن بديل دولي
وفي ما يتعلق بمستقبل “اليونيفيل”، يشير داوود إلى البحث عن بديل يتراوح بين بعثة أوروبية جديدة وائتلاف دولي، لافتًا إلى دعم فرنسا وإيطاليا إنشاء مهمة أوروبية خلال خريف 2026، بالتوازي مع مساعٍ أوروبية لتدريب الجيش وتقديم المشورة إليه. كما يستحضر إعلان مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس استعداد أكثر من عشر دول للمساهمة بأفراد وموارد، معتبرًا أن هذه التحركات تعكس السعي إلى تأمين غطاء دولي يمنع حصول فراغ في الجنوب.
لبنان أمام مرحلة “السيادة التدريجية المشروطة”
ويخلص داوود إلى أن لبنان يتجه، وفق السيناريو الذي يرجّحه، نحو مرحلة “سيادة تدريجية مشروطة”، تقوم على انتشار بطيء ومتدرج للجيش، وانسحاب إسرائيلي جزئي وغير كامل، وإشراف أميركي على التنفيذ، مع حضور دولي أوروبي–أممي محدود لمساندة المؤسسة العسكرية.
وبحسب تقديره، فإن المرحلة المقبلة لن تشهد انسحابًا إسرائيليًا كاملًا أو حصرية فورية للسلاح، بل ترتيبات أمنية انتقالية متعددة المستويات، تبقى خلالها حصرية السلاح الكاملة هدفًا معلنًا أكثر منها واقعًا منجزًا في المدى القريب.
