الشرق الأوسط الجديد (٥): الإسلام السياسي الشيعي ومستقبل الثورة الإيرانية

بقلم د. نواف كبارة

لا يمكن البحث في مستقبل الإسلام السياسي في الشرق الأوسط من دون التوقف أمام التجربة الشيعية، وبصورة خاصة الثورة الإيرانية عام 1979. فهذه الثورة لم تكن مجرد تغيير لنظام الحكم في إيران، بل شكلت تحولاً تاريخياً في موقع الشيعة داخل العالم الإسلامي، وأطلقت مشروعاً سياسياً وفكرياً تجاوز حدود إيران ليغير موازين القوى وطريقة قراءة التاريخ الإسلامي نفسه.
نهوض الشيعة وإعادة قراءة التاريخ
لقرون طويلة، عاش الجزء الأكبر من العالم الإسلامي في ظل دول ومؤسسات سياسية وثقافية ذات غالبية سنية. ومع استقرار هذه الغلبة، أصبحت القراءة السنية للتاريخ الإسلامي هي الأكثر انتشاراً وحضوراً في المجال العام.
لم يكن الفكر الشيعي غائباً، فقد امتلك تراثاً دينياً وفقهياً وفلسفياً عريقاً ورواية مختلفة للكثير من أحداث التاريخ الإسلامي، إلا أن هذه الرواية بقيت، إلى حد بعيد، محصورة داخل المجال الشيعي.
الثورة الإيرانية غيرت هذه المعادلة.
فمع قيام دولة إسلامية شيعية قوية، ثم صعود الدور السياسي للشيعة في عدد من دول المنطقة، خرجت الرواية الشيعية للتاريخ من الهامش إلى قلب النقاش الإسلامي.
فعندما تنهض جماعة مهمشة تاريخياً، تنهض معها روايتها للتاريخ.
وهكذا أعيد فتح ملفات اعتقد كثيرون أنها حسمت منذ قرون: ماذا حدث بعد وفاة النبي؟ كيف انتقلت السلطة؟ ومن كان يمتلك شرعية خلافته؟ وكيف نفهم الصراع بين علي ومعاوية والفتنة الكبرى وكربلاء؟ وهل كانت الخلافة مؤسسة دينية ثابتة أم تجربة سياسية نشأت ضمن ظروف تاريخية محددة؟
لم تكن هذه الأسئلة جديدة في التراث الشيعي. الجديد أن نهوض الشيعة السياسي منحها قدرة على الدخول بقوة إلى المجال الإسلامي العام، وأجبر الفكر السني نفسه على العودة إلى كثير من هذه القضايا، إما للدفاع عن روايته التقليدية وإما لإعادة التفكير فيها.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم النتائج الفكرية لنهوض الإسلام السياسي الشيعي: لم يطرح رواية أخرى للتاريخ فقط، بل ساهم في كسر فكرة وجود رواية واحدة نهائية للتاريخ الإسلامي.
أين ينتهي المقدس ويبدأ التاريخ؟
ومن هنا ظهر سؤال أكبر بكثير من الخلاف السني الشيعي: ما هو المقدس فعلاً في التجربة الإسلامية، وما هو التاريخ البشري الذي اكتسب مع مرور الزمن شيئاً من القداسة؟
فالقرآن، بالنسبة إلى المؤمن، نص مقدس. والنبي يحتل موقعاً مقدساً في الوعي الإسلامي. ولكن هل يعني ذلك أن كل ما جرى بعد وفاة النبي يصبح مقدساً أيضاً؟
هل قرارات الصحابة السياسية مقدسة؟ وهل الخلافة نموذج ديني ملزم؟ وهل الدول الأموية والعباسية والعثمانية نماذج إسلامية مقدسة، أم تجارب سياسية بشرية نشأت وتطورت وتصادمت ضمن ظروف التاريخ؟
بل إن السؤال يمكن أن يصل إلى تجربة النبي السياسية نفسها: هل شكل الدولة التي أقامها في المدينة جزء ثابت من الرسالة الدينية، أم كان استجابة تاريخية لظروف مجتمع القرن السابع؟
هذه الأسئلة تقود بالضرورة إلى التمييز بين الدين وتاريخ المسلمين، وبين النص وتفسير النص، وبين المقدس والاجتهاد البشري.
فالقرآن مقدس بالنسبة إلى المؤمن، لكن تفسيره عمل بشري. والفقه تراث إسلامي هائل، لكنه نتاج اجتهاد البشر في فهم النصوص والتعامل مع ظروف مجتمعاتهم.
ومن هنا يصبح من المشروع إعادة النظر في الكثير من المفاهيم السياسية والاجتماعية والتشريعية التي تشكلت تاريخياً، بما يسمح للإسلام بالتفاعل مع تطور الإنسان والمجتمع، بدلاً من محاولة إعادة المجتمع المعاصر إلى ظروف عالم مضى عليه أكثر من ألف عام.
وهذه، ربما، واحدة من أهم الإمكانات الفكرية التي فتحها نهوض الفكر الشيعي، حتى وإن لم يصل هو نفسه دائماً بهذه المراجعة إلى نهاياتها المنطقية.
الثورة الإيرانية والخروج من الهامش
لكن الثورة الإيرانية لم تغير قراءة التاريخ فقط. لقد غيرت أيضاً نظرة الشيعة إلى أنفسهم وإلى قدرتهم على صناعة التاريخ.
فقد أثبتت أن حركة إسلامية شيعية تستطيع إسقاط نظام قوي وبناء دولة حديثة والمحافظة عليها رغم الحرب والعقوبات والعزلة الدولية.
واستطاعت إيران تطوير قاعدة علمية وصناعية وتكنولوجية وعسكرية مهمة. وبذلك خرج الفكر السياسي الشيعي من موقع الجماعة التي عاشت طويلاً على هامش السلطة إلى موقع الجماعة التي تعتقد أنها تستطيع بناء الدولة وامتلاك القوة والتأثير في مستقبل المنطقة.
وانتقلت هذه الثقة إلى خارج إيران. فمن لبنان إلى العراق واليمن وغيرها، أصبح الشيعة قوة سياسية وعسكرية واجتماعية لا يمكن تجاوزها في معادلات المنطقة.
ولكن هنا تبدأ المفارقة.
فالنجاح الذي منح الإسلام السياسي الشيعي قوته التاريخية هو نفسه الذي وضعه أمام امتحانه الأصعب: الانتقال من الثورة إلى الدولة.
من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة
هناك فارق كبير بين قيادة ثورة ناجحة وإدارة مجتمع ناجح.
الثورة تستطيع أن تعتمد على العقيدة والتعبئة والتضحية ومواجهة الأعداء. أما الدولة فعليها أن تقدم لمواطنيها الاقتصاد والحرية والعدالة والفرص والأمن ونوعية الحياة.
وبعد ما يقارب نصف قرن على الثورة الإيرانية، لم يعد السؤال ما إذا كان الإسلام السياسي الشيعي يستطيع الوصول إلى السلطة. لقد وصل إليها وأقام دولة قوية.

السؤال هو: هل يستطيع أن يتغير وهو في السلطة؟
فالمجتمع الإيراني اليوم ليس مجتمع عام 1979. تغير موقع المرأة، ومفهوم الحرية الفردية، وعلاقة المواطن بالدولة، كما غيرت الثورة الرقمية ووسائل التواصل ثم الذكاء الاصطناعي قدرة الدولة على احتكار المعرفة وتحديد أنماط الحياة.
وهنا تواجه ولاية الفقيه السؤال نفسه الذي أعاد الفكر الشيعي طرحه حول الخلافة: من أين تستمد السلطة شرعيتها؟
قدمت ولاية الفقيه حلاً لمشكلة الحكم في زمن غيبة الإمام، لكنها خلقت بدورها أسئلة جديدة: ما حدود سلطة الفقيه أمام إرادة المواطنين؟ ماذا يحدث عندما تتعارض المرجعية الدينية مع الإرادة الشعبية؟.. وهل يمكن اعتبار اجتهاد سياسي ظهر في القرن العشرين الصيغة النهائية للحكم الإسلامي؟
وهنا تكمن مفارقة فكرية عميقة. فالفكر الذي ساهم في إعادة فتح التاريخ الإسلامي ونقد شرعية أنظمة الحكم التي نشأت فيه، يجد نفسه مطالباً اليوم بتطبيق المنهج النقدي نفسه على تجربته السياسية.
من مشروع التحرر إلى صراع النفوذ
كما واجه المشروع الشيعي تحدياً آخر خارج إيران.
فالثورة التي قدمت نفسها باعتبارها ثورة للمستضعفين ومواجهة للهيمنة تحولت تدريجياً، في نظر خصوم إيران وقطاعات من المجتمعات العربية، إلى مشروع نفوذ إقليمي.
وأدى تمدد القوة الإيرانية وصعود الحركات المسلحة المرتبطة بها إلى إعادة إنتاج الانقسام السني الشيعي باعتباره صراعاً سياسياً وجيوسياسياً، وليس مجرد خلاف مذهبي.
وتظهر هذه المعضلة بصورة خاصة في الحركات التي بنت شرعيتها على المقاومة.
فالمقاومة تستطيع أن تمنح الحركة شرعية واسعة عندما تواجه احتلالاً أو عدواناً، لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما تتحول الحركة إلى جزء دائم من النظام السياسي.
من يمتلك قرار الحرب والسلم؟ وكيف يمكن الجمع بين سيادة الدولة ووجود تنظيم مسلح يمتلك استراتيجية عسكرية مستقلة؟ وكيف تنتقل الحركة من شرعية المقاومة إلى شرعية المؤسسات؟
وهنا يصبح حزب الله في لبنان، كما بعض القوى الشيعية المسلحة في العراق وغيرها، جزءاً من أزمة أوسع.
فالإسلام السياسي الشيعي أثبت أنه يستطيع إنتاج القوة. أما السؤال الذي لم يحسمه بعد فهو قدرته على تحويل القوة إلى دولة مستقرة ومجتمع ناجح.
إيران ومستقبل المشروع الشيعي
لكن التحدي الأكثر أهمية لمستقبل الإسلام السياسي الشيعي يبقى مستقبل الجمهورية الإسلامية نفسها.
وهنا يوجد فارق مهم بين الإسلام السياسي السني والشيعي. فالإسلام السياسي السني موزع بين دول وحركات ومدارس مختلفة ولا يمتلك مركزاً سياسياً واحداً يؤدي انهياره بالضرورة إلى انهيار المشروع كله.
أما الإسلام السياسي الشيعي الذي تشكل بعد 1979 فقد امتلك مركزاً واضحاً هو إيران.
إيران لم تقدم له الأفكار فقط، بل قدمت الدليل المادي على إمكانية نجاح المشروع، كما وفرت للحركات المتحالفة معها القوة السياسية والاستراتيجية والمادية التي سمحت بتوسع نفوذها.
ولهذا فإن أي تحول جذري في النظام الإيراني ستكون له نتائج تتجاوز حدود إيران.
ماذا يحدث إذا تراجعت ولاية الفقيه أو أعيد تعريفها؟ ماذا لو تحولت إيران تدريجياً إلى دولة أكثر مدنية وتعددية مع بقاء الإسلام مكوناً أساسياً في هويتها؟ وماذا لو بقيت إيران قوية ومتقدمة علمياً واقتصادياً بعد تراجع هيمنة المؤسسة الدينية على الدولة؟
هنا سيظهر سؤال بالغ الخطورة بالنسبة إلى الإسلام السياسي الشيعي:
إذا استطاعت إيران أن تبقى قوية ومتقدمة من دون النموذج السياسي الذي ولدته ثورة 1979، فما الذي سيبقى من شرعية هذا النموذج؟
وستنتقل الأزمة فوراً إلى القوى المرتبطة به خارج إيران. فإذا أعادت الدولة التي أنشأت ولاية الفقيه نفسها النظر فيها، سيكون من الصعب على حركات خارج إيران تقديمها باعتبارها نموذجاً سياسياً نهائياً. وإذا أعادت إيران ترتيب أولوياتها لمصلحة التنمية الداخلية والعلاقات الطبيعية بين الدول، فستضطر القوى التي بنت أدوارها على المشروع الإقليمي الإيراني إلى إعادة تعريف نفسها.
التشيع سيبقى، ولكن ماذا عن الإسلام السياسي الشيعي؟
وهنا يجب التمييز بوضوح بين التشيع والإسلام السياسي الشيعي.
فالتشيع أقدم من الجمهورية الإسلامية بأكثر من ألف عام، ويمتلك تراثاً دينياً وفقهياً وفلسفياً ومؤسسات اجتماعية ودينية مستقلة عن الدولة الإيرانية. ولذلك فإن أي تحول في النظام الإيراني لا يعني نهاية التشيع.
ما يمكن أن يدخل في أزمة وجودية هو مشروع الإسلام السياسي الشيعي الذي تشكل بعد عام 1979 وربط بين الدين والدولة وولاية الفقيه والقوة الإقليمية ضمن نموذج سياسي واحد.
ومن هنا فإن مستقبل هذا المشروع يرتبط إلى حد بعيد بمستقبل الدولة الإسلامية في إيران.
إذا استطاعت الجمهورية الإسلامية إصلاح نفسها وإعادة تفسير علاقتها بالدولة والمجتمع والحريات والمرأة وحقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية، فقد يتمكن الإسلام السياسي الشيعي من إنتاج صيغة جديدة تسمح له بالاستمرار.
أما إذا عجز النظام عن التكيف وحدث تحول جذري في إيران، فقد لا نكون أمام مجرد تغيير لنظام سياسي، بل أمام نهاية مرحلة تاريخية كاملة من الإسلام السياسي الشيعي بدأت عام 1979.

معركة المستقبل

في النهاية، فإن أكبر تحدٍ يواجه الإسلام السياسي الشيعي ليس سنياً ولا أمريكياً ولا إسرائيلياً. إنه حركة التاريخ نفسها.
لقد نجحت الثورة الإيرانية في إخراج الشيعة من الهامش، ومنحت الرواية الشيعية للتاريخ قوة جديدة، وأعادت فتح الأسئلة حول الخلافة والإمامة والشرعية والسلطة، وأثبتت أن الإسلام السياسي الشيعي قادر على بناء دولة وامتلاك القوة.
لكن نجاح الأمس لا يضمن البقاء غداً.
فلا يستطيع أي مشروع سياسي في القرن الحادي والعشرين أن يعيش فقط على شرعية أحداث وقعت قبل أربعة عشر قرناً، كما لا تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تعيش إلى الأبد على شرعية ثورة وقعت عام 1979.
السؤال لم يعد ما إذا كان الإسلام السياسي الشيعي يستطيع الوصول إلى السلطة.
السؤال هو ما إذا كان يستطيع مراجعة نفسه وهو في السلطة.
هل يستطيع الفصل بين المقدس والتاريخي؟ وهل يستطيع مراجعة ولاية الفقيه كما راجع مفهوم الخلافة؟ وهل يستطيع الانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية الإنجاز، ومن شرعية العقيدة إلى شرعية المواطن، ومن حماية النظام إلى حماية الإنسان؟
إذا استطاع ذلك، فقد تكون مساهمته المقبلة في الفكر الإسلامي أهم من إنجاز الوصول إلى السلطة نفسه.
أما إذا أغلق باب النقد بعدما استخدمه لإعادة قراءة التاريخ، فإن الأزمة لن تكون أزمة إيران وحدها، بل أزمة المشروع السياسي الشيعي الذي نشأ حولها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
الثورة الإيرانية حررت الإسلام السياسي الشيعي من هامش التاريخ، لكن مستقبل الإسلام السياسي الشيعي قد يتوقف اليوم على قدرته على تحرير نفسه من أسر الثورة الإيرانية.
لقد نجح في إعادة فتح الماضي.
أما امتحانه الحقيقي الآن فهو قدرته على صناعة المستقبل.
إذا تغيرت إيران، ماذا يبقى من المشروع؟
لكن تغير إيران لا يعني بالضرورة اختفاء الإسلام السياسي الشيعي دفعة واحدة. فالأرجح أن يفتح مرحلة من إعادة التشكل قد تكون أكثر عمقاً من تلك التي أحدثتها الثورة الإيرانية نفسها.
منذ عام 1979، استطاعت إيران أن تجعل من نفسها مركزاً سياسياً واستراتيجياً للمشروع الشيعي في المنطقة. ومع مرور الوقت، ارتبطت قوى شيعية عديدة بهذا المركز بدرجات متفاوتة، وأصبح النفوذ الإيراني عنصراً أساسياً في موازين القوى في لبنان والعراق واليمن وأماكن أخرى.

لكن ماذا يحدث إذا تغير المركز نفسه؟
إذا انتقلت إيران إلى نظام أكثر مدنية، أو تراجعت فيه ولاية الفقيه، أو أعيد الفصل بدرجة كبيرة بين المرجعية الدينية وإدارة الدولة، فإن الحركات الشيعية المرتبطة بالنموذج الإيراني ستجد نفسها أمام أزمة هوية وشرعية، وليس فقط أمام خسارة حليف سياسي.
وسيكون أمامها، في تقديري، ثلاثة مسارات.
الأول هو التمسك بالنموذج القديم حتى بعد تراجعه في إيران نفسها. وهذا سيكون بالغ الصعوبة، لأن من الصعب الدفاع خارج إيران عن نموذج تكون الدولة التي أنشأته قد بدأت بالتخلي عنه.
والثاني هو التحول من حركات مرتبطة بمشروع إقليمي إلى قوى سياسية وطنية. عندها سيكون على حزب الله، مثلاً، أن يعيد تعريف نفسه أساساً من داخل الدولة اللبنانية، وعلى القوى الشيعية العراقية أن تستمد شرعيتها بصورة أكبر من المجتمع والدولة العراقيين، لا من موقعها ضمن محور إقليمي.
أما الاحتمال الثالث، وهو الأكثر أهمية فكرياً، فهو ظهور إسلام سياسي شيعي جديد لا تكون إيران مركزه ولا تكون ولاية الفقيه شرطه.
وهذا قد يعيد الاعتبار إلى تعددية عميقة موجودة أصلاً داخل التراث الشيعي، ويفتح المجال أمام تصور مختلف لعلاقة المرجعية الدينية بالدولة، يسمح بالتوفيق بين الهوية الدينية والدولة المدنية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية.
عندها قد نشهد انتقالاً من الإسلام السياسي الشيعي الإيراني إلى سياسات شيعية وطنية متعددة.
وهذا تحول هائل.
فبدلاً من وجود مركز واحد وأطراف مرتبطة به، يمكن أن تظهر تجارب شيعية مختلفة في لبنان والعراق والخليج وإيران نفسها، تتكيف كل منها مع مجتمعها ودولتها ومصالحها الوطنية.
وهنا تصبح المفارقة أكثر عمقاً: قد يؤدي تغير إيران إلى إضعاف الإسلام السياسي الشيعي في المدى القصير، لكنه قد يحرر الفكر السياسي الشيعي، على المدى الأبعد، من ارتباط مصيره بنظام سياسي واحد.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل سيبقى الإسلام السياسي الشيعي إذا تغيرت إيران؟
بل: أي إسلام سياسي شيعي سيبقى؟
قد تنتهي الصيغة التي ولدت عام 1979، القائمة على مركزية الثورة الإيرانية وولاية الفقيه والمحور الإقليمي، من دون أن ينتهي الحضور السياسي الشيعي.
وعندها يكون الشرق الأوسط أمام انتقال تاريخي من مشروع شيعي تقوده دولة إلى مجتمعات شيعية تنتج مشاريعها السياسية الوطنية الخاصة.
وربما يكون هذا هو التحول الأكثر أهمية: أن يعود الشيعة من مشروع تغيير المنطقة إلى سؤال بناء الدولة التي يعيشون فيها، وأن تصبح المواطنة، لا المذهب ولا المحور، المصدر الأساسي للشرعية السياسية.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top