لبنان وإيران على خط النار…ماذا يكشف مستشار الخارجية الأميركية السابق ل”ديمقراطيا نيوز”؟

بقلم شادي هيلانة

حين تقترب الانتخابات النصفية الأميركية، تتجه الأنظار عادة إلى أرقام المقاعد في مجلسي النواب والشيوخ، غير أن المستشار السابق في الخارجية الأميركية حازم الغبرا يقارب المشهد من مكان آخر، إذ يرى في حديث لـ”ديمقراطيا نيوز” أن المعركة الانتخابية المقبلة تدور في جوهرها حول أولويات الناخب الأميركي الداخلية، فيما تبدو الملفات الخارجية، ومنها الشرق الأوسط، أقل حضوراً في الحسابات الانتخابية المباشرة، ولذلك لا يضع الغبرا نتائج تشرين الثاني في خانة التحولات الجذرية المنتظرة في السياسة الأميركية تجاه إيران ولبنان ودول الخليج.

وبحسب الغبرا، فإن الصورة الأقرب تتمثل في احتفاظ الجمهوريين بأغلبيتهم في مجلس الشيوخ، مقابل خسارتهم الأغلبية في مجلس النواب، وهو سيناريو يضعه ضمن السياق المعروف للانتخابات النصفية، حيث يواجه الحزب الموجود في موقع الرئاسة عادة اختباراً صعباً داخل الكونغرس، غير أن أهمية النتيجة بالنسبة إليه ترتبط أولاً بالداخل الأميركي، وبقدرة الإدارة على تمرير مشاريعها ومواجهة خصومها في واشنطن أكثر من ارتباطها بإعادة صياغة السياسة الخارجية.

من هنا، يلفت الغبرا إلى أن الناخب الأميركي يدخل الانتخابات وهو منشغل بقضايا قريبة من حياته اليومية، من الإنفاق العام والسياسة المالية إلى التأمين الصحي والخدمات وحجم الحكومة والإنفاق الرسمي، وهي ملفات تفرض نفسها على النقاش الانتخابي بصورة مباشرة، فيما يرى أن الشرق الأوسط يحضر أحياناً في التحليلات السياسية بحجم أكبر من حضوره الفعلي لدى الناخب الأميركي خصوصاً حين يتعلق الأمر بالاختيار الانتخابي داخل الولايات المتحدة.

حتى حضور شخصيات من أصول عربية في السباق الانتخابي، وفق الغبرا، لا يعني تلقائياً أن قضايا المنطقة ستصبح في صدارة المنافسة، إذ تبقى البرامج الانتخابية محكومة بدرجة كبيرة بالاقتصاد والخدمات والقضايا الاجتماعية، في حين تتحرك السياسة الخارجية ضمن حسابات مختلفة تتجاوز حاجة المرشح إلى مخاطبة الناخب في دائرته الانتخابية.

في الملف الإيراني، يذهب الغبرا أبعد في الفصل بين الحسابات الحزبية والسياسة الخارجية، إذ يرى أن مساحة التوافق داخل واشنطن حول اعتبار إيران مشكلة بالنسبة إلى المصالح الأميركية أكبر من مساحة الخلاف، مشيراً إلى أن الخطاب الإيراني تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل يدخل في صلب هذه الحسابات، وبالتالي فإن تبدل موازين القوى بين الجمهوريين والديمقراطيين لا يعني بالضرورة تبدل النظرة الأساسية إلى طهران.

الخلاف الحقيقي، وفق هذه القراءة، يقع في طريقة إدارة الملف الإيراني، فالنقاش الأميركي يتمحور حول الأدوات التي ينبغي اعتمادها، وحجم الضغط، وحدود استخدام القوة، وطبيعة أي اتفاق يمكن التوصل إليه، بينما تبقى إيران حاضرة في صلب الحسابات الأميركية أياً كان الطرف الذي يملك الأغلبية داخل الكونغرس.

ويعتبر الغبرا أن المواجهة العسكرية مع إيران انتهت، وأن واشنطن دخلت في مرحلة مختلفة تقوم على سياسة العقوبات والضغط الاقتصادي،ويرى أن هذا المسار قد يكون أكثر فاعلية من استمرار العمل العسكري خصوصاً مع اعتقاده بأن الضغط الاقتصادي يضع القيادة الإيرانية أمام خيارات أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

وفي هذا السياق، يتحدث الغبرا عن الحرس الثوري الإيراني باعتباره مؤسسة تتحرك وفق حسابات ثورية تعود إلى عقود، ويعتبر أن مصلحة الشعب الإيراني لا تأتي في مقدمة أولوياته، ولذلك يرى أن استمرار الضغوط الاقتصادية قد يدفع طهران في مرحلة لاحقة إلى التعامل مع واقع داخلي أكثر صعوبة، الأمر الذي يمكن أن يجعل الاتفاق خياراً مرتبطاً بظروف اقتصادية وسياسية جديدة.

أما لبنان، فلا يتوقع الغبرا أن تؤدي الانتخابات النصفية إلى انقسام جوهري داخل الكونغرس حول طريقة التعامل مع الحكومة اللبنانية، مشيراً إلى وجود وعود كثيرة قطعتها الحكومة اللبنانية من دون ترجمة جميعها إلى خطوات تنفيذية ، فيما يرى أن بعض حالات التردد ترتبط بحساسية المواجهة مع حزب الله، وهي مسألة تتجاوز بالنسبة إلى واشنطن الحسابات الحزبية الضيقة.

في الخليج، يضع الغبرا العلاقة الأميركية مع دول المنطقة ضمن إطار مختلف، إذ يرى أن القرار التنفيذي في البيت الأبيض يبقى أكثر تأثيراً في تحديد مسار هذه العلاقة من نتائج الانتخابات التشريعية، وبالتالي فإن تبدل موازين القوى داخل مجلسي الكونغرس لا يعني حكماً إعادة رسم العلاقة الأميركية الخليجية.

وبين إيران ولبنان والخليج، يصل الغبرا إلى خلاصة تقوم على أن السياسة الأميركية الخارجية لا تتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك فيها الخريطة الانتخابية داخل الكونغرس، فهناك مصالح أمنية واقتصادية واستراتيجية تمتد لسنوات، وهناك ملفات ترتبط بالقرار التنفيذي وبالتزامات واشنطن وحساباتها الدولية، كون هذه المصالح لا تتبدل بالضرورة مع كل دورة انتخابية.

لذلك، فإن قراءة نتائج الانتخابات النصفية تحتاج إلى التمييز بين ما يمكن أن يتغير داخل واشنطن وما يمكن أن يبقى ثابتاً في سياستها الخارجية، فخسارة الأغلبية في أحد مجلسي الكونغرس قد تزيد المواجهة السياسية مع الإدارة وتحد من قدرتها على تمرير بعض الملفات، في حين تبقى الملفات المرتبطة بالشرق الأوسط وإيران ولبنان والخليج محكومة بعوامل أوسع من نتيجة انتخابية واحدة.

في النهاية، يضع الغبرا الانتخابات النصفية في إطارها الأميركي أولاً، باعتبارها استحقاقاً قادراً على إعادة ترتيب موازين القوى داخل واشنطن، فيما لا يرى فيها مفتاحاً تلقائياً لإعادة رسم سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حيث تبقى المصالح الأميركية وطبيعة القرار التنفيذي وحسابات الأمن والاقتصاد والعلاقات الدولية هي العناصر التي ترسم المسار الأوسع، وتبقى صناديق الاقتراع محطة مهمة في المشهد الأميركي، من دون أن تكون وحدها صاحبة الكلمة في ملفات المنطقة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top