الشرق الأوسط الجديد (8): صراع الأصوليات والأساطير الثلاث

بقلم د.نواف كبارة

في وقت يتهيأ العالم لثورة تكنولوجية ستقلب هذا العالم رأسا على عقب وتزلزل أسس ومستقبل وجود الانسان على الكرة الأرضية واقصد بذلك ثورة الذكاء الاصطناعي، يدور الصراع في المنطقة بين ثلاث أصوليات فكرية تستند على ثلاث أساطير كبرى: أسطورة أرض الميعاد، وأسطورة دولة الخلافة الإسلامية، وأسطورة عودة المهدي وولاية الفقيه. ولا تكمن خطورة هذه الأساطير في بعدها الديني أو الروحي، بل في تحولها إلى مشروعات سياسية مغلقة تُستخدم لتبرير السيطرة والحروب ورفض الآخر.

وراء كل أسطورة دول وقوى ومصالح اقتصادية ومشروعات نفوذ وطاقة وممرات تجارية. فالأسطورة تمنح المشروع السياسي شرعية تتجاوز الواقع، بينما تمنح المصالح المادية الأسطورة القدرة على التحول إلى دولة وجيش وسلاح وتحالفات. وهكذا يصبح المقدّس غطاءً للسياسة، وتصبح السياسة وسيلة لإعادة إنتاج المقدّس في صورة صراع لا يقبل التسوية.

أسطورة أرض الميعاد

تحولت فكرة أرض الميعاد، في صورتها السياسية المتطرفة، من معتقد ديني إلى مشروع قومي استيطاني يرى الأرض حقاً تاريخياً ودينياً يتقدم على حقوق سكانها. وقد أصبحت هذه القراءة إحدى ركائز اليمين الديني والقومي الإسرائيلي، ولا سيما عندما تقترن بفكرة «إسرائيل الكبرى» وبالاعتقاد أن الحدود تحددها النصوص والقوة لا القانون الدولي.

لكن المشروع الإسرائيلي لا يقوم على العقيدة وحدها. فخلف الخطاب الديني مصالح أمنية وجيوسياسية واقتصادية تتصل بالسيطرة على الأرض والمياه والموارد، وبممرات التجارة والطاقة، وبموقع إسرائيل داخل المشروع الغربي في المنطقة. كما تتحالف معه أسطورة تعتنقها تيارات مسيحية صهيونية ترى قيام إسرائيل جزءاً من تصور ديني لنهاية التاريخ، بينما تنظر إليه قوى دولية باعتباره ضمانة لمصالحها الاستراتيجية. ومن هنا تتداخل الأسطورة مع التكنولوجيا والقوة العسكرية والاقتصاد، فتتحول إلى مشروع هيمنة إقليمية.

أسطورة دولة الخلافة الإسلامية
تستند الأصولية السنية إلى حلم استعادة الخلافة بوصفها الوحدة السياسية المثالية للمسلمين. وقد ازداد حضور هذا الحلم بعد سقوط الدولة العثمانية وفشل الدولة العربية الحديثة في تحقيق الاستقلال الفعلي والتنمية والعدالة والمشاركة السياسية.

لكن الخلافة التي تتخيلها الحركات الإسلامية المعاصرة ليست استعادة بسيطة للماضي؛ إنها بناء أيديولوجي انتقائي يوظف التاريخ لمواجهة أزمات الحاضر. فهي تتجاهل اختلافات المجتمعات الحديثة، وتعدد الهويات، ومفهوم المواطنة، وحقوق النساء والأقليات، وحرية الاعتقاد، والتحولات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية.

وقد حاولت قوى متعددة استثمار هذا الحلم. استخدمته جماعات سياسية للوصول إلى السلطة، وتنظيمات متطرفة لتبرير العنف، ودول إقليمية لتعزيز نفوذها داخل العالم السني. وخلف لغة الوحدة الإسلامية ظهرت صراعات على قيادة العالم الإسلامي وعلى طرق التجارة والغاز والموانئ ومناطق النفوذ.

ومع ذلك، فإن فشل مشروع «داعش» لا يعني اختفاء حلم الخلافة. فما دامت المنطقة تخضع لارادة وتحكم القوى الخارجية وما دامت الدولة الوطنية عجزت عن مواجهة الاخطار الوجودية وخصوصا الاسرائيلي منها وفشلت في بناء المواطنة والعدالة، سيظل الماضي قادراً على العودة بوصفه بديلاً متخيلاً عن حاضر مأزوم.

أسطورة عودة المهدي

أما في المجال الشيعي، فتحمل فكرة عودة المهدي معنى دينياً عميقاً يرتبط بإنهاء الظلم وإقامة العدل. لكن تحويل الانتظار الديني إلى مشروع سياسي أدّى إلى ربط العقيدة ببناء الدولة والنفوذ الإقليمي.

منحت الثورة الإيرانية هذا التصور بعداً سياسياً جديداً. فمن خلال نظرية ولاية الفقيه، أصبح بالإمكان إقامة سلطة تدير المجتمع والدولة خلال زمن الغيبة. وقد ساهم نجاح إيران في بناء دولة قوية وقاعدة علمية وصناعية وعسكرية في إخراج الشيعة من موقع التهميش التاريخي، لكنه ربط في الوقت نفسه مستقبل الإسلام السياسي الشيعي بمستقبل النظام الإيراني.

وكما في الحالتين الإسرائيلية والسنية، لا يتحرك المشروع الإيراني بالعقيدة وحدها. فخلفه مصالح تتعلق بأمن الدولة، والنفوذ الإقليمي، وممرات الطاقة والتجارة، والوصول إلى البحر المتوسط، وبناء شبكة من الحلفاء. ولذلك امتزج الدفاع عن المستضعفين بمشروع دولة تسعى إلى حماية موقعها وتوسيع قدرتها على التأثير.

إن أي تحول جوهري داخل إيران سوف ينعكس مباشرة على هذا المشروع. فإذا تغيرت طبيعة الدولة الإيرانية، فقد يفقد الإسلام السياسي الشيعي مركزه ومرجعيته وقدرته على إدارة شبكة النفوذ التي بناها في المنطقة.

ثلاث أصوليات تغذي بعضها بعضاً
هذه الأصوليات لا تعمل بصورة منفصلة؛ كل واحدة منها تبرر وجود الأخرى. فالتوسع الإسرائيلي يعيد إنتاج خطاب الخلافة والمقاومة الدينية، وصعود الحركات السنية المتطرفة يمنح إسرائيل مبرراً لتقديم نفسها بوصفها حصناً في مواجهة «الخطر الإسلامي»، بينما يعزز النفوذ الإيراني مخاوف الدول السنية وإسرائيل ويدفعها إلى بناء تحالفات لمواجهتها. هناك حركة ديالكتكية بين هذا الاصوليات الثلاث اذ أصبح سقوط ايا منها يهدد بقاء الاصوليات الآخرى. إذا لا ترغب القوى السياسية المستفيدة من هذه الاصوليات في إنهائها؛ لأن الخوف يضمن لها الشرعية، والأسطورة توفر لها الأتباع، والحرب تحمي سلطتها من المساءلة. لذلك يجري تقديم كل صراع سياسي أو اقتصادي باعتباره معركة وجودية بين الخير والشر، لا نزاعاً يمكن حله بالتفاوض والقانون.

ما وراء الأساطير: صراع القوة والطاقة

لا ينبغي أن يؤدي نقد الأساطير إلى تجاهل المصالح المادية الكامنة وراءها. فالشرق الأوسط يقع في قلب الصراع العالمي على النفط والغاز ومصادر الطاقة الجديدة والموانئ والممرات البحرية وخطوط النقل والاتصال.

الصراع على غزة والبحر الأحمر وشرق المتوسط والعراق وسوريا ولبنان واليمن ليس دينياً فقط. إنه أيضاً صراع على طرق التجارة، وحقول الغاز، وربط آسيا بأوروبا، ومشروعات الممرات الاقتصادية، والسيطرة على الأسواق، وموقع المنطقة في الاقتصاد الجديد القائم على الطاقة والذكاء الاصطناعي.

تستخدم القوى الكبرى هذه الاصوليات للتلاعب بالمنطقة بهدف التحكم بموقعها الجغرافي ومواردها. بل لعبت وتلعب الدول الكبرى دورا رئيسبا في انتاج هذا الاصوليات وتغذيتها.

التحرر من هيمنة الأسطورة لا من الدين

من الولضح انه لا مستقبل لهذه المنطقة اذا ما تم التحرر من هيمنة هذه الاصوليات الثلاث على الثقافة والفكر والمؤسسات التي تتحكم بمجتمعات دول المنطقة. وهناك بارقة امل لا بد من التقاطها. لقد قلبت حرب غزة معظم الرأي العام العالمي ضد المشروع الصهيوني الاستيطان واصبحت الدولة الاسرائيلية من أكثر الدول المنبوذة في العالم. وفي الوقت ذاته الحقت حرب غزة بالمشروع السياسي الاسلامي الذي كانت تمثله حماس هزيمة قاسية وربما قاتلة. أما مشروع الاسلام السياسي الشيعي فتعرض لنكسة قوية في لبنان كما ان مصيره سيتوقف على نتائج الحرب الأميركية الإيرانية وما سيليها. لقد تحولت إيران اليوم كدولة وخطاب ديني سياسي من موقع التوسع والهيمنة إلى موقع الدفاع لحماية النظام وضمان استمراره. كما ان التحديات التي ستواجه الخطاب والمؤسسات السياسية الدينية في إيران ستكون اكبر واخطر بكثير من تحديات الحرب القائمة. ومن دون مراجعة اسس هذا الخطاب قد لا تستطيع الجمهورية الإسلامية في إيران بالاستمرار.

إذا هناك فراغ فكري واسع في كل الجبهات والمجتمعات العربية، الايرانية والاسرائيلية منها. والسؤال اي فكر جديد سيغطي هذا الفراغ.
المؤسسات الدينية التقليدية لم تزل مصرة على استعمال ادوات الماضي لفهم الحاضر والمستقبل. لذا هي خارج القدرة على إنتاج فكر جديد يتلاءم مع حاجة المنطقة في هذا العالم المتغير. بل هي غير قادرة على التعامل مع الخلاف السني الشيعي خارج الاطر الفكرية الجامدة لديها. فبدل أن يتم التوافق على إعادة النظر بالتراث والتاريخ واستعمال الأدوات البحثية المعاصرة لاعادة قراءة القران والتعامل مع الحقائق والوقائع في التاريخ الفكر الإسلامي برمته، نراها تتقاذف التهجمات وتتمسك برفض الاعتراف بالاختلاف والحق في حرية النقد والفكر والاجتهاد.
ومن طرف أخر، لم تزل المؤسسات التعليمية والفكرية العربية من جامعات وابحاث تجتر المعرفة ولا تنتجها. فليس هناك فيلسوفا عربيا واحدا اليوم ولا عالما عربيا واحدا انتج من مختبرات هذه الجامعات بحثا نال عليه جائزة نوبل مثلا. هناك مفكرين وعلماء في الجامعات المصرية، العبرية والإيرانية لكنها مهمشة وخارج مركز اتخاذ القرار أو التأثير على المجتمع.

يحتاج الشرق الأوسط إلى لانتقال من شرعية الأسطورة إلى شرعية الإنسان وقبول الاخر؛ من الحق المقدس في السيطرة إلى الحقوق المتساوية؛ ومن دولة الجماعة المنتصرة إلى دولة المواطنة؛ ومن انتظار خلاص يأتي من الماضي أو نهاية الزمان إلى بناء مستقبل تصنعه الشعوب بإرادتها.
نحو شرق أوسط ما بعد الأصوليات
لن يولد الشرق الأوسط الجديد بمجرد تغير التحالفات أو سقوط أنظمة وقيام أخرى. سيولد عندما تتحرر المنطقة من الاعتقاد بأن مستقبلها مكتوب سلفاً في روايات الماضي، وأن الصراع قدر لا يمكن تجاوزه.

ويقتضي ذلك:
تبلور فكر جديد عربي، اسرائيلي، إيراني يمكن ان يخلق حالة فكرية تتوسع في المنطقة ليبنى عليها الشرق الاوسط الجديد. ولا بد لهذا الفكر من ان يقوم على:
التخلي عن مشروعات التوسع والهيمنة الإقليمية، سواء حملت اسماً دينياً أو قومياً.
بناء دول مدنية تقوم على المواطنة والتعددية وتداول السلطة.
الفصل بين الإيمان الديني وشرعية الحكم السياسي.
تحويل التنافس على الطاقة والممرات والأسواق إلى تعاون اقتصادي إقليمي.
إعادة توجيه الموارد من الحروب والتسلح إلى التعليم والتنمية والبحث العلمي والذكاء الاصطناعي.
إنشاء نظام إقليمي للأمن الإنساني يضع كرامة الإنسان وحقوقه قبل أمن الأنظمة ومشروعاتها.
وطبعا الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولة قابلة للحياة.
إن أخطر ما في الأساطير ليس أنها تتحدث عن الماضي، بل أنها تصادر المستقبل. ولا يمكن للشرق الأوسط أن يستقر قبل أن تتحول أرض الميعاد من مبرر للتوسع إلى إيمان شخصي، والخلافة من مشروع سلطة إلى تجربة تاريخية، وعودة المهدي من برنامج سياسي إقليمي إلى عقيدة روحية.
عندها فقط تستطيع شعوب المنطقة أن تخرج من صراع النبوءات إلى شراكة المصالح، ومن حروب الهوية إلى دولة المواطنة، ومن انتظار الخلاص إلى صناعة المستقبل.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top