
بقلم ياسمين شعبان
تشهد العلاقات اللبنانية–الإماراتية في الفترة الأخيرة زخمًا متصاعدًا، من عودة النشاط الدبلوماسي وتكثيف الزيارات الاقتصادية، إلى إطلاق مبادرات في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وتسهيل حركة اللبنانيين نحو الإمارات. خطوات تفتح الباب أمام تعاون أوسع، سياسيًا واقتصاديًا، فيما تبقى الاستفادة اللبنانية منها مرتبطة بقدرة الدولة على توفير الاستقرار وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
وهبة: استعادة الثقة الخليجية تبدأ من دور الدولة
رأى الإعلامي يزبك وهبة، في حديث خاص لـ”ديمقراطيا نيوز”، أن عودة السفير الإماراتي إلى لبنان ساهمت في إعادة تنشيط العلاقات بين البلدين بعد مرحلة من الفتور امتدت لسنوات، رابطًا تلك المرحلة بخلافات سياسية وأمنية أثرت على العلاقات اللبنانية–الإماراتية.
وبحسب وهبة، فإن استعادة الزخم الدبلوماسي أعادت تحريك المسارين السياسي والاقتصادي بين بيروت وأبوظبي، وهو ما ظهر من خلال زيارة وفود اقتصادية ووزارية، وصولًا إلى المبادرات الإماراتية الأخيرة وفي مقدمها مبادرة تدريب مليون لبناني على الذكاء الاصطناعي. واعتبر أن هذه المبادرة لا تقتصر على بعدها التقني، بل تعكس أيضًا رغبة إماراتية في دعم لبنان والاستثمار في قدرات اللبنانيين، ما يشكل مؤشرًا إيجابيًا إلى تطور العلاقات بين البلدين.
ووضع وهبة هذا الانفتاح في سياق إقليمي أوسع، مشيرًا إلى أن التحولات الجارية في المنطقة، إلى جانب تطور العلاقات اللبنانية–الإماراتية واللبنانية–الخليجية، تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون. كما اعتبر أن ضبط الدولة اللبنانية لمرافقها وحدودها ومنع عمليات التهريب أو استخدام الأراضي اللبنانية للإضرار بالدول العربية يشكل عاملًا مهمًا في إعادة بناء الثقة مع دول الخليج. وبرأيه، فإن الطموح لا يقتصر على تحسين العلاقة الثنائية مع الإمارات، بل يمتد إلى استعادة لبنان لعلاقات أكثر استقرارًا مع مختلف الدول العربية، ولا سيما الخليجية منها.
وفي ما يتعلق بملف حصر السلاح، شدد وهبة على أن هذا الملف يبقى شأنًا لبنانيًا، لكنه لفت إلى أن المطالب العربية والدولية بحصر السلاح بيد الدولة ليست جديدة. وأشار إلى أن بعض الدول الخليجية تعتبر أن نفوذ حزب الله العسكري والأمني امتد في مراحل سابقة إلى ساحات إقليمية متعددة.
ومن هنا، يرى وهبة أن الدول العربية تشجع لبنان على تعزيز سيادة الدولة وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية، معتبرًا أن إحراز تقدم في هذا المسار قد يفتح المجال أمام مستوى أكبر من الدعم الخارجي، وخصوصًا للجيش اللبناني، مع دور خليجي محتمل في هذا الدعم.
أبو شقرا: الفرصة الإماراتية تحتاج اقتصادًا لبنانيًا جاهزًا
وفي المقابل، تناول المحلل الاقتصادي خالد أبو شقرا البعد الاقتصادي والتقني لهذه المبادرات، معتبرًا في حديث خاص لـ”ديمقراطيا نيوز” أن دولة الإمارات تُعد من الدول السباقة في مجالات التطور التقني والمعرفي والذكاء الاصطناعي، ليس من الناحية النظرية فقط، بل من خلال التطبيقات العملية في مختلف القطاعات.
وأوضح أبو شقرا أن مبادرة تدريب مليون لبناني على الذكاء الاصطناعي وهندسة الأوامر يمكن أن تساهم في تطوير مهارات القوى العاملة اللبنانية، وتحسين استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر دقة وفاعلية. وبرأيه، من شأن هذه المهارات أن تنعكس على أداء الموظفين والمؤسسات من خلال رفع الإنتاجية وتوفير الوقت والجهد والكلفة، ما يجعل المبادرة خطوة إيجابية إذا جرى ربطها بحاجات سوق العمل.
ولفت إلى أن التعاون الاقتصادي بين لبنان والإمارات ليس جديدًا، بل يمتد منذ سنوات عبر اللبنانيين العاملين في الإمارات والاستثمارات المباشرة والحركة السياحية والاقتصادية بين البلدين. وأشار إلى أن تحويلات اللبنانيين العاملين هناك تشكل موردًا مهمًا لعدد كبير من الأسر اللبنانية.
كما توقف أبو شقرا عند الاهتمام الإماراتي المتجدد بالسوق اللبنانية وزيارات الوفود الاقتصادية ورجال الأعمال، معتبرًا أن البحث في فرص الاستثمار المشترك يمكن أن يمهّد لعودة أوسع للاستثمارات الإماراتية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والنقل والتكنولوجيا والخدمات. إلا أن الاستفادة من هذا الانفتاح تتوقف بدرجة كبيرة على الجانب اللبناني. فالمطلوب أولًا توفير الاستقرار السياسي والأمني والقضائي، وتبسيط الإجراءات الإدارية والانتقال الفعلي إلى الحكومة الإلكترونية.
ورأى أن لبنان يحتاج، قبل التوسع في إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الإدارة العامة، إلى اعتماد التوقيع الإلكتروني والمعاملات والمراسلات الرقمية وربط الإدارات والوزارات بشكل أكثر فاعلية. كذلك شدد على أن إصلاح القطاع المصرفي يشكل شرطًا أساسيًا لجذب الاستثمارات، لأن المستثمر يحتاج إلى قطاع قادر على تأمين حركة الأموال والتحويلات بصورة طبيعية وآمنة.
ودعا أيضًا إلى إصلاح القطاع العام وإعادة هيكلة الدولة، وتخفيف البيروقراطية والرسوم المفروضة على الشركات، إلى جانب توفير حوافز للاستثمار وتطوير وسائل النقل والخدمات الأساسية وفتح الأسواق أمام المنافسة.
وبين البعد السياسي الذي يربطه وهبة باستعادة الثقة الخليجية، والبعد الاقتصادي الذي يربطه أبو شقرا بالإصلاحات والبيئة الاستثمارية، تبدو المبادرات الإماراتية الأخيرة جزءًا من مسار أوسع لإعادة تنشيط العلاقة بين بيروت وأبوظبي. إلا أن تحويل هذا الانفتاح إلى فرص اقتصادية واستثمارية مستدامة سيبقى مرتبطًا إلى حد كبير بما ينجزه لبنان داخليًا.
