“رئيسان”..بين الجغرافيا والسياسة!

بقلم جوزاف وهبه

ما قد لا تجمعه السياسة، يمكن أن تجمعه الجغرافيا، خاصّة متى كان الهدف “واحد”:بناء الوطن، أو بناء المدينة التي نطلّ منها إلى باقي أطراف الوطن!
هكذا يمكن البدء بقراءة الزيارة الأخيرة والمفاجئة للرئيس نجيب ميقاتي إلى غرفة طرابلس الكبرى.لا سياسة تقليديّة في الوقت الراهن.فالرئيس ميقاتي أعلن مراراً وتكراراً أنّه لا يسعى إلى السراي الكبير، وأنّه يدعم بشدّة حكومة الرئيس نوّاف سلام، كما يدعم توجّهات العهد الجديد برئاسة العماد جوزاف عون:من الغرفة، شكر الحكومة التي “دعمت توجّهات رئيس ومجلس إدارة غرفة طرابلس الكبرى”، وفي إطلالته مع الإعلامي وليد عبّود في برنامج “أبيض أسود” شدّ على يد الرئيس سلام، مؤكّداً دعمه اللامشروط له ولحكومته!
كان الرئيس ميقاتي، في حديثه أمام دبوسي وفريق عمل الغرفة، جريئاً، سلساً وواضحاً، حيث عاد بالذاكرة إلى عام 2019، مستعيداً الحوار آنذاك بقوله:” أذكر أنه في عام 2019، وقبل اندلاع الأزمة، عرض علينا الرئيس توفيق دبوسي رؤيته المتكاملة وأفكاره ومشاريعه، ولا سيّما ما يتعلّق بالمناطق التي كان يخطّط لإنشائها، سواء أكانت صناعيّة أم حرّة، من طرابلس وصولاً إلى العريضة.وقد أبديت يومها ملاحظة للرئيس دبوسي، وقلت له إنّ تحقيق هذه الرؤية سيكون أمراً صعباً، وإنّها تبدو أقرب إلى حلم بعيد المنال.
أمّا اليوم، وبعدما أرى ما يتحقّق على أرض الواقع، وبعدما أتابع ما يجري من مشاريع وخطوات، أجد أنّ ذلك الحلم بدأ يتحوّل إلى حقيقة.فالإنسان، عندما يريد أن يبدأ بأيّ مشروع، لا بدّ له أوّلاً من أن يحلم، وأن يفكّر، وأن يضع خطّة ومخطّطاً واضحاً ومنظّماً. وهذا ما فعلتموه، من خلال رؤية متكاملة ومدروسة، وما تعملون اليوم على تحويله إلى واقع..”.ببساطة شديدة، قال الرئيس ميقاتي في العام 2026 ما لم يقله في العام 2019.ولم يكن، في ذلك الوقت، وحده في استغراب “حلم” توفيق دبوسي، وإنّما كات سمة عامّة في الرأي العام المحلّي واللبناني السياسي والنخبوي والشعبي.
دبوسي وصحبه في الغرفة لم يكفّوا عن مطاردة الحلم، ليس من باب الإصرار والعناد الشخصي، وإنّما من خلال الإستناد على “لعبة الجغرافيا”، بعيداً عن اللعبة السياسيّة الخانقة، والتي أشار إليها أيضاً الرئيس ميقاتي إذ قال:”بكلّ صراحة ووضوح، فإنّ جزءاً أساسيّاً من هذه التحوّلات (مطار رينه معوض، ومرفأ طرابلس، وباقي المرافق كمنصّة الغاز وسكّة الحديد..) ما كان ليحدث لولا التغيير الذي حصل في سوريّا..”، وهذا توصيف دقيق وصحيح لأنّ النظام السوري السابق كان ينظر لطرابلس كمحافظة من محافظات بلاد الشام، وليس كجزء حيوي من أجزاء الجسم اللبناني!
الرئيس ميقاتي أعاد النظر بأولويّات أدائه السياسي، فإذا به على “جغرافيا” واحدة مع الرئيس توفيق دبوسي الذي سبق له أن رأى في العلاقات اللبنانيّة – السوريّة تكاملاً وليس تنافساً، كما رأى أنّ طرابلس الضعيفة إنّما تثقل على الإقتصاد اللبناني، فيما طرابلس القويّة المتعافية ترفد كلّ لبنان بالنموّ والإزدهار..
وهكذا التقى “الرئيسان”، في ما يمكن استخلاصه من مغزى الزيارة الأخيرة للغرفة، فوق مساحة واحدة تتمثّل بالدور الجغرافي المميّز لطرابلس الكبرى، وذلك من حدود البترون، إلى أقاصي عكار عند الحدود اللبنانيّة – السوريّة، ما سمح ويسمح بالتلاقي حول الدعوة المشتركة إلى اعتماد عاصمة الشمال كعاصمة اقتصاديّة لكلّ لبنان، فيما تحتفظ العاصمة بيروت بدورها السياسي – الثقافي لبنانيّاً وعربيّاً ودوليّاً.لا تنافس بين مدن الوطن الواحد، بل تكامل في الأدوار والخلق والإبداع..ويمكن الجزم بأنّ الرئيس ميقاتي، من بوّابة الغرفة، قد فتح أفقاً جديداً لمفاهيم ومصطلحات العمل السياسي والإقتصادي في البلد، مؤمناً بأنّ “الحلم الصعب المنال” يمكن له أن يتحوّل – ولو بعد حين – إلى “واقع مُعاش”!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top