
بقلم إحسان الطبش
تجد الأم اللبنانية المتزوجة من أجنبي نفسها أمام مفارقة قانونية واجتماعية: فهي تحمل الجنسية اللبنانية، لكن أولادها لا يحصلون عليها عبرها. وبين قانون يعود إلى عام 1925 وهواجس سياسية وطائفية تعرقل تعديله، تواجه عائلات كثيرة صعوبات تطال الإقامة والتعليم والعمل والاستقرار. ومع تحرّك حملة “صرخة وجع أمّ” أمام وزارة الداخلية للمطالبة بحق الأم اللبنانية في منح جنسيتها لأولادها، يتجدد النقاش حول المساواة في نقل الجنسية.
توضح المحامية بالاستئناف لؤى زعرور أن القانون لا يتضمن نصاً صريحاً يمنع الأم اللبنانية من منح جنسيتها لأولادها، لكنه يحصر اكتساب الجنسية بالنسب عبر الأب، وفق المادة الأولى من القرار رقم 15 الصادر عام 1925. وتشير إلى وجود حالات استثنائية، كما تلفت إلى أن المرأة الأجنبية التي تكتسب الجنسية اللبنانية عبر زواجها من لبناني تستطيع نقلها إلى أولادها، حتى من زواج سابق، ما يطرح تساؤلات حول التمييز في هذا المجال.
وترى زعرور أن هذا الواقع يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في المادة السابعة من الدستور اللبناني. كما تشير إلى أن لبنان صدّق على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” عام 1996، لكنه تحفّظ على المادة التاسعة، الفقرة الثانية، المتعلقة بحق المرأة في منح جنسيتها لأولادها.
ولا تقتصر التداعيات على مسألة الهوية، إذ يُعامل أولاد الأم اللبنانية المتزوجة من أجنبي، في جوانب عدة، معاملة الأجانب. ويحتاجون إلى تسوية إقامتهم وتجديدها، وقد يُطلب منهم الحصول على إجازات عمل، فيما تُحجب عنهم الوظائف العامة وبعض المهن التي تشترط الجنسية اللبنانية. كذلك، يواجهون قيوداً في تملّك العقارات، وصعوبات مرتبطة بالرسوم الجامعية والمنح والتغطية الصحية والمعاملات الرسمية. وقد يصل الأمر إلى خطر انعدام الجنسية إذا تعذّر عليهم اكتساب جنسية الأب أيضاً.
وتربط زعرور استمرار هذا الواقع بهواجس التوطين والتوازن الطائفي والديموغرافي، معتبرة أن هذه الاعتبارات سياسية بالدرجة الأولى، وأن منح الجنسية لأولاد الأم اللبنانية يختلف عن ملف التوطين. وتلفت إلى أن تعديلات واقتراحات عدة طُرحت سابقاً، من بينها مبادرات خلال تولّي الوزيرين السابقين زياد بارود ومروان شربل وزارة الداخلية، واقتراح للنائب السابق عماد الحوت عام 2016، لكنها لم تصل إلى إقرار التعديل المطلوب بسبب غياب التوافق السياسي.
وتؤكد المحامية أن الحل يتطلب تعديل قانون الجنسية والأحكام المرتبطة به، عبر إعادة تحريك الاقتراحات القائمة أو تقديم اقتراح جديد وإحالته إلى اللجان النيابية، مع إعطائه صفة العجلة المكررة لتسريع مناقشته والتصويت عليه. لكنها تشدد على أن إقرار التعديل يحتاج إلى توافق سياسي يضع حداً لاستمرار القضية عالقة.
أما اجتماعياً، فتشير الناشطة والأخصائية الاجتماعية رنا غنوي إلى أن المشكلة تتفاقم عندما تتداخل مع ظروف أسرية أخرى، مثل وجود شخص من ذوي الإعاقة داخل الأسرة. وتروي حالة أم لبنانية متزوجة من رجل من ذوي الإعاقة، لديها أولاد متفوقون دراسياً، لكنها تضطر إلى البحث عن جمعيات تساعدها في تأمين فرص التعليم لهم، كما واجهت صعوبات في استخراج أوراق ثبوتية لطفلين بسبب تعذّر الحصول على مستندات من بلد الأب.
وتوضح غنوي أن هذه العائلات تتحمل أعباء إضافية في التعليم والطبابة والإقامة، وقد تواجه صعوبات في تسجيل الأولاد في بعض المؤسسات التعليمية وإنجاز معاملاتهم الرسمية. ولا يقتصر الأثر على الجانب المادي، بل يمتد إلى شعور الأم بالعجز عن تأمين الحقوق نفسها لأولادها التي يتمتع بها أقاربهم اللبنانيون، وإلى إحساس الأبناء بأنهم غرباء في بلد وُلدوا فيه أو نشأوا داخله.
وتؤكد غنوي أن الجنسية ليست مجرد وثيقة رسمية، بل جزء من الهوية والانتماء والاستقرار، معتبرة أن أولاد الأم اللبنانية ينتمون إليها وإلى بلدها كما ينتمون إلى أبيهم وبلده. وترى أن استمرار حرمانهم من الجنسية قد يؤثر في مستقبلهم وأمانهم الاجتماعي، داعيةً إلى تعديل القانون بعيداً عن الحسابات الطائفية والديموغرافية، وضمان المساواة في الحقوق.
وبين قانون يحصر نقل الجنسية بالأب، وهواجس سياسية عطّلت محاولات تعديله، تبقى الأمهات اللبنانيات أمام واقع يحرمهنّ من منح أولادهنّ هويتهنّ الوطنية. ولا يقتصر إنصاف هذه العائلات على تعديل نص قانوني، بل يتصل بضمان حق الأبناء في الانتماء والعيش بكرامة من دون تمييز.
