بقلم جوزاف وهبه

لم يعد أحد يهتمّ بصحّة أو دقّة الخبر المتداول، فالرواية التي تقدّمها محطّة MTV مثلاً، يصدقّها “جمهور السيادة والإستقلال” دون تردّد، ولو كان عن مجرّد حفرة للبحث عن الكنز المفقود، وقد تحوّلت – بفضل سرديّة إعلاميّة كاملة متكاملة – إلى نفق “فارسي” يمتدّ من منطقة الفنار – الرويسات (المتن)، ربّما إلى داخل اسرائيل في حيفا أو القدس أو تل أبيب، حسب جموح خيال كلّ مواطن.ويتشبّث الجمهور بالرواية، رغم بيان الجيش اللبناني، ورغم الصور التي تكشف أنّ الحفرة لا تتعدّى الأمتار، وذات فتحة واحدة:دخول..بلا خروج!
لماذا كلّ هذا الإستعداد المبرم للحكم المطلق على أداء حزب الله الذي كان، في الماضي القريب، حامي الحمى ومحرّر الوطن من الإحتلال، وذا المصداقيّة العالية، حتّى لدى الأطراف السياسيّة والشعبيّة التي تخاصمه في مفاهيم الولاء للوطن وبناء الدولة وحصريّة السلاح…ومَن يتحمّل مسؤوليّة هذا التحوّل العميق والجذري؟
لا شكّ، إنّها مسؤوليّة الحزب نفسه وسياساته التي قامت في العشرين سنة الأخيرة على الإستعلاء والمكابرة والتهديد المتواصل (أصبع الامين العام حسن نصرالله)، وأسلوب الإغتيال السياسي (الرئيس رفيق الحريري وقافلة شهداء ثورة الأرز، وصولاً إلى لقمان سليم والياس الحصروني وباسكال سليمان)، وعلى فرضيّة توازن القوى في الميدان (حيفا مقابل الضاحية، وتل أبيب مقابل بيروت)..وعلى غزارة معلومات ومقالات يوزّعها، كلّ صباح، ابراهيم الامين على صفحات جريدة “الأخبار”، مشاركاً في أدقّ تفاصيل الإجتماعات (السرّية والعلنيّة) بين ترامب ونتانياهو، أو حتّى بين ترامب وفريق عمله داخل أروقة البيت الأبيض:”بوب” يعلم في الغيب كلّ شيء، مثله مثل ميشال حايك وليلى عبد اللطيف..يا لطيف!
وإذا كان “7 أيّار المجيد” قد ترك طويلاً – ولا يزال – بصمته على ذاكرة بيروت وأهلها، فإنّ سقوط الأمين العام نصرالله قبل أن يفعّل “ترسانة ال 100 ألف صاروخ” قد وضع كلّ بطولات وتفوّق الآلة العسكريّة للحزب في سلّة “الشكّ وعدم التصديق”، يُضاف إلى ذلك الإنكشاف الكامل أمام الأداء الإستخباري الإسرائيلي (عمليّة البايجرز الخارقة، وسلسلة اغتيالات قيادات الصفّ الأوّل والثاني والثالث، وصولاً إلى راكب الموتوسيكل)، بالإضافة إلى أنّ الكلمة في الميدان لم تكن لنصرالله وقوّات الرضوان وبدر، بل للثنائي نتانياهو – كاتس وجيشهم!
لم يبقَ من سرديّات حزب الله سوى “الأنفاق”.أنفاق في كلّ مكان:تحت المنازل والمستشفيات والمدارس..على مدّ الجنوب ومدنه وبلداته وقراه وناسه.لقد حوّلوا جبل عامل إلى نفق أسود لا ينتهي، إلّا بإرادة التفجير الذي تتقنه إسرائيل غير آبهة بالبشر والشجر والحجر.هنا فقط صدق الحزب.لقد بنى أنفاقاً أسطوريّة، ليس لحماية أهل الجنوب من “العدو الغاشم” وإنّما كي يتسنّى له الوقت الكافي لحروب الإسناد ووحدة الساحات والثأر للمرشد الاعلى!
أنفاق تلّة علي الطاهر لم توفّر الأمان والسلامة للمنصوري والنبطيّة والقرى المجاورة، بل قدّمت “الأعذار” لإسرائيل كي تمارس سياسة البطش والأرض المحروقة..وهذا ما فعلته وتفعله بدم بارد، دون مقاومة تًذكر، ليس لأنّ الحزب قد استكان، أو قيادته قد تعقّلت، وإنّما ربطاً بالتوقيت الإيراني عندما تدقّ ساعة المفاوضات مع أميركا، أو حين تبدأ حملة “أمّ القنابل”.
لم يبقَ من لبنانيّة الحزب سوى وجود “الأنفاق”، وهو ما يفسّر أنّ مجرّد حفرة للتنقيب عن الذهب قد تحوّلت إلى نفق قاتل في عقول اللبنانيين، دون أن يجهد أحد لمعرفة الخيط الأبيض من الخيط الأسود.”جسم الحزب لبّيس” لكلّ انواع الخراب والدمار، أكانت على شاكلة 6 صواريخ مجهولة الهويّة، أو على واقعة مسيّرة قد تصيب جنديّاً ودبّابة..أو من خلال نفق مضاء تحت منازل مطفأة، تحوّله الطائرات الإسرائيليّة، في دقائق معدودة، إلى هدف لقنابلها الثقيلة الحارقة، والتي تحرق الأخضر واليابس!
نصدّق رواية ال MTV، ولا يطمئننا بيان الجيش..ولو رأت عيوننا حفرة صغيرة، لسبب بسيط:أنّنا خائفون..وحزب الله (بقيادته ومقاومته وتبعيّته العمياء للحرس الثوري الإيراني) قد بات “الشرّ المستطير”، إن لم نستعِر من أدبيّاته تعبيره الشهير “الشيطان الأكبر”!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top