حين تحاور الآلة عقلاً في طور النمو…

بقلم إحسان الطبش

أعاد انتحار ماتياس حبيب، الشاب اللبناني البالغ 15 عاماً، في 22 نيسان 2026، فتح النقاش حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الصحة النفسية للمراهقين، بعدما تقدّمت عائلته بدعوى ضد شركة OpenAI ورئيسها التنفيذي سام ألتمان، على خلفية محادثاته مع ChatGPT. وتثير القضية تساؤلات حول دور المنصّات الرقمية في التعامل مع القاصرين، ومخاطر التفاعل معها، وسبل التمييز بين الفضول الفكري والمؤشرات النفسية التي تستدعي التدخّل.

وفي حديث لموقع “ديمقراطيا نيوز”، توضح الدكتورة فريال عبد الله، الأستاذة المحاضرة والمستشارة في تطوير الذات، أنّ الوصول إلى الأفكار الانتحارية لا يحدث عادةً بين ليلة وضحاها، بل قد ينتج عن تراكمات نفسية. وتشير إلى أنّ المراهقة مرحلة يبدأ فيها الفرد بتطوير التفكير المجرّد وطرح أسئلة فلسفية ووجودية حول الحياة والموت والمستقبل، وهي أسئلة قد تكون طبيعية ضمن مسار النمو.

لكنّ التحدّي، بحسب عبد الله، يكمن في أنّ المراهق يمرّ بمرحلة انفعالية شديدة، قد تطغى فيها المشاعر على التفكير المتوازن، فيما لا تزال قدرته على تنظيم انفعالاته وإدارة مشاعره قيد التطوّر. لذلك، يحتاج إلى التوجيه والمساندة لمساعدته على التعامل مع أفكاره وأسئلته.

وتلفت عبد الله إلى أنّ مصادر المعرفة تغيّرت مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، إذ بات المراهق يلجأ إلى هذه الأدوات للحصول على إجابات بدلاً من التوجّه إلى الأهل. غير أنّ الإجابات التي يتلقّاها قد لا تكون كافية لاحتياجاته النفسية، ما يجعل الاعتماد عليها وحدها أمراً يستدعي الانتباه.

وتشدّد على ضرورة التمييز بين التساؤلات الوجودية الطبيعية ومؤشرات الضيق النفسي، مثل الانسحاب المفاجئ، والعزلة، وفقدان الرغبة في لقاء الأصدقاء، والتغيّر الملحوظ في الشهية أو السلوك. وتوضح أنّ ظهور هذه العلامات يستدعي عدم تجاهلها، بل فتح حوار مع المراهق والاستعانة باختصاصيين عند الحاجة.

وفي ما يتعلّق بدور الأهل، تشير عبد الله إلى أنّ اتساع العالم الافتراضي جعل متابعة كل ما يتعرّض له الأبناء أكثر صعوبة، فلا يمكن للأهل معرفة جميع الأسئلة التي يطرحونها أو المحتوى الذي يتفاعلون معه. لذلك، تدعو إلى الانتباه إلى التغيّرات السلوكية والاستجابة لها، من دون تحميل الأهل وحدهم مسؤولية الحماية.

كما تحذّر من أنّ تأثير العالم الافتراضي لا يقتصر على المعلومات، بل يمتدّ إلى نظرة الشباب للنجاح والعلاقات والزواج والعائلة، إذ باتت وسائل التواصل تؤثّر في طريقة تقييمهم لهذه المفاهيم، أحياناً على حساب تجاربهم في الحياة الواقعية.

وترى عبد الله أنّ الرقابة على استخدام المنصّات الرقمية ووضع حدود واضحة للاستخدام أمران مهمّان، لكنّهما لا يكفيان وحدهما. فالحماية تتطلّب أيضاً توعية المراهقين، وتعزيز التواصل معهم، وتوفير مساحة آمنة للتعبير عن مخاوفهم، إلى جانب الاستجابة الجدية لأي مؤشرات تدلّ على معاناتهم النفسية.

وتعيد القضية التذكير بأهمية عدم ترك المراهق وحيداً أمام أسئلته وأفكاره، خصوصاً في مرحلة لا تزال فيها قدرته على التعامل مع المشاعر وتقييم العواقب قيد النمو. فالتوعية لا تعني منع الأسئلة، بل ضمان وجود من يصغي إلى المراهق ويساعده على فهم ما يمرّ به قبل أن تتفاقم معاناته.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top