
بقلم الياس عيسى الياس
على رفٍّ هادئ في مكتبة بوسط لندن، يستقر كتاب مترجم بعناية كاستثناء نادر، بينما تظل روايات عربية كثيرة حبيسة كراتين ومرتجعات في بيروت والقاهرة، تنتظر من يفتح غلافها.
يذكرني هذا المشهد بما كان يحدثني به صديقي طلال، وهو الذي قضى عمره ناشراً ومحرراً، غارقاً في هموم الكتابة وأحوال النشر؛ إذ كان يقف طويلاً أمام هذا السؤال الموجع: لماذا تظل حكاياتنا محاصرة في بيوتنا، مع أنها تحمل من دفء الوجع الإنساني وبريق الفرح ما يستحق أن يملأ عيون العالم؟
لم يكن طلال يؤمن يوماً بأن السبب هو فقر لغتنا، ولا أن الغرب يعادينا بالمطلق؛ فالمسألة في رأيه أعمق، وتتوزع على أزمتين: نلمس أولاهما في صمت الأوراق، ونعاني الثانية في وعورة الطرق.
أولى الأزمتين تسكن في الداخل، حين يكتب الواحد منا وكأنه لا يثق بمن سيقرأ له.
كان طلال يتأمل بأسى تلك الصفحات الطويلة التي تكاد تختنق بالخطابة والتقرير: يخبرنا الكاتب أن «البطل غاضب»، ثم يتطوع ليشرح لنا سبب غضبه، ويمضي ليفسر التاريخ والاجتماع.
وكلما حدث ذلك، كان يردد بحرقة: «يا صديقي، لقد فهمتُ أنه غاضب! دع الرجل يدخل بيته ودعنا نرى ماذا سيفعل. القارئ ليس تلميذاً في صف دراسي ينتظر التوجيه؛ متعة القراءة تولد في تلك المساحة السرية التي يتركها الكاتب لروح القارئ كي تتأمل وتكتشف».
ما الذي تقوله صفحات من الشرح الطويل عن الفقد، أكثر من فنجان قهوة ثانٍ تركه صاحبه على الطاولة بلا شريك؟ حين يفرط الكاتب في التفسير المباشر، تفقد الحكاية نبضها البشري.
وحين نتجاوز هذا الحائط الداخلي ونضع نقطة النهاية للرواية، نصطدم بحقيقة مرة: الموهبة وحدها لا تحمل الكتاب إلى قارئه.
العالم يعج بالقصص، والكتاب الرائع لا يصل إن لم تحمله عقلية واعية تعرف كيف تترجم روح النص لا كلماته الباردة، وكيف توصله عبر شبكات نشر وتوزيع تضعه بين أيدي قراء في قارات أخرى.
حين نكتفي بطباعة نسخ قليلة نوزعها في حفل توقيع عابر، فإننا ندفن أحلامنا بأيدينا.
ولسنا بلا أمثلة؛ فقد أنجبنا نجيب محفوظ الذي غاص في روح الإنسان قبل حارته فلامس قلوب العالم.
ولم يكن فوز رواية «سيدات القمر» لجوخة الحارثي بالبوكر الدولية عام 2019 مصادفة، بل ثمرة سلسلة متكاملة جمعت بين النص الدافئ، ومترجمة محترفة كماريلين بوث التي اقتسمت الجائزة مع المؤلفة، ودار نشر مستقلة آمنت بالنص.
غير أننا ما زلنا ننتظر الصدفة، ونفتقد نقداً محلياً مستقلاً يميّز بين القيمة الفنية والمجاملة، فيكون الناقد القارئ الأول الذي يدل المترجم والناشر على ما يستحق.
إن خلاصنا لا يأتي من استجداء الاعتراف، ولا من انتظار أن يكتشفنا الغرب بمحض الصدفة.
نحن بحاجة إلى كتابة تحترم عقل القارئ وتمنحه حق التأويل، وبحاجة إلى منظومة نشر تؤمن أن الكلمة تستحق طريقاً حقيقياً يوصلها إلى البعيد.
وحين أعود بذهني إلى ذلك الرف البعيد في لندن، متذكراً شغف طلال، أتمنى ألا يظل كتابنا هناك استثناءً نادراً، بل أن تصبح تلك الطريق ممهدة؛
فيصل الكتاب لأنه جيد، ولأن خلفه ناساً يحترمون حكاياتهم، ويعرفون كيف يروونها للعالم كما نعيشها: بألمها وفرحها؛ فلا يبقى كتاب جيد ينتظر من يفتح صفحته الأولى.
