بقلم جوزاف وهبه

على رصيف المقهى، وحول الطاولات الملأى بفناجين الصباح، تدور التساؤلات الصاخبة والقلِقة، دونما الوصول إلى أجوبة واضحة أو موحّدة أو مقنعة: ربّما هي اللوعة من زيارات عديدة ووعود ورديّة لا تثمر ولا تزهر، وربّما هي العطب في مناخات المدينة وطاقاتها وبحثها العبثي عن دور مضى ولم يعد..وربّما هي السلبيّة التي تتلبّس – كما يجب وكما يفترض – عقول الذين يصرّون على الكتابة في الزمن التائه!

لا بأس بزيارة “فخامة الرئيس”، من حيث المبدأ.هي الأولى منذ حوالي 12 سنة عندما حضر إلى طرابلس الرئيس الأسبق ميشال سليمان في تشرين الثاني 2014، وقد حملت آنذاك عناوين أمنيّة، جرّاء التسيّب الأمني الواسع الذي كانت تعيشه المدينة من خلال “الحرب الضروس” بين التبّانة وجبل محسن، والموروثة من الصراع السوري – الفلسطيني المزمن.. وعلى عكس الزيارة الرئاسيّة الأخيرة، تأتي زيارة الرئيس جوزاف عون تحت عناوين تنمويّة تعِد بوضع حدّ نهائيّ للحرمان والتهميش الذي طالما عاشته عاصمة الشمال حتّى تحوّلت إلى “حائط مبكى” تتردّد سيرتها على كلّ شفة ولسان، كمدينة هي الأفقر على شاطئ البحر الأبيض المتوسّط:فهل هي حقّاً كذلك؟

بدايةً، لنعطِ العهد والحكومة بعضاً من حقوقهم، ولو على مضض: لقد أنجز، ولو دون المطلوب والمشتهى، تشغيل مطار رينه معوّض – القليعات عكّار، بعد أن فُكّت العقدتان المانعتان: سقوط نظام بشّار الأسد، وتراجع نفوذ حزب الله الذي كان يصرّ على “مطار واحد” للتحكّم الأمني بالخروج والدخول إلى البلد!..
كما جرى تعيين جميع المجالس الإداريّة العائدة إلى المرافق العامّة الأساسيّة في المدينة، من المرفأ، إلى معرض رشيد كرامي الدولي، إلى المنطقة الإقتصاديّة الخاصّة، رغم ما رافق بعض هذه التعيينات من “غمز ولمز”، ودون أن يعني ذلك أنّ العجلة الإقتصاديّة قد انطلقت، وأنّ فرص العمل قد تهيّأت، وأنّ “طرابلس الكبرى” قد استعادت وظيفتها ودورها وعافيتها!

ثمّة مشاكل من نوع آخر. بالطبع لا تكفي زيارة “رئيس” لمعالجتها، ولا تكفي خطب، ولو صادقة ومن القلب، لوضع الحلول لها، ما يجعل فجأةً المرفأ – مثلاً – يعمل بكامل طاقته، ويحوّل المليون متر إلى فرص استثماريّة حقيقيّة، ويجعل المنطقة الإقتصاديّة الخاصّة أشبه ب “جبل علي” يدرّ المال في جيوب المواطنين بما يخرجهم من العوز والتهميش، وفي خزينة الدولة بما يخرجها من العجز المالي المستمر.

من أبرز المشاكل، التي لا تكفي وعود ونوايا الرئيس لتجاوزها، حضور المستثمرين إلى المدينة، واعتبارها مكاناً صالحاً وآمناً للإستثمار، فيما المعاناة يوميّة من الفلتان الأمني، ومن هيمنة “العقول المقفلة” على مسار العديد من المشاريع التي تتطلّب الإنفتاح والليونة وكسر الكثير من “التابوات”: على سبيل المثال لا الحصر، هل تقدّم أحد للإستثمار في فندق المعرض (كواليتي إن سابقاً) رغم مرور حوالي الشهر على إطلاق المزايدة برعاية وحضور وزير الإقتصاد والتجارة عامر البساط؟
وهنا لا بدّ من التوقّف عند حرفيّة ما قاله الرئيس عون في اللقاء الموسّع مع مجلس إدارة معرض كرامي الدولي:”ما تقومون به ممتاز، ويعطيكم العافية، الأهمّ هو تأمين فرص عمل لأبناء المنطقة، والقدرة تكمن في أن ينجز الإنسان من لا شيء أمراً مهمّاً.”..أليس في هذا الكلام نوع من الإستعصاء على قدرات رئيس وأعضاء مجلس الإدارة؟ كيف يمكن لهم أن يوفّروا فرص العمل دون وجود مستثمرين واستثمارات؟ وبالأخصّ الأخصّ، كيف لهم أن ينجزوا “شيئاً” من “اللاشيء”؟ وكلام الرئيس، للمناسبة، عاقل وصريح، بمعنى أنّ الدولة قد قامت بواجبها (تعيين مجالس الإدارة..)، أمّا الباقي فيقع من جهة على عاتق المسؤولين الجدد المعيّنين، ومن جهة أخرى على عاتق سلوكيّات المدينة وقابليّتها على تجاوز واقعها المزري والكئيب في آن ٍ واحد!

وما ينطبق على المعرض، ينطبق على باقي المرافق. الكلام الرسمي هو: أعطيناكم الصنّارة، وعليكم بالصيد الوفير في البحر، أكان هادئاً أم هائجاً. لا تطلبوا أكثر من الدولة..

في خلاصة الزيارة، “الرئيس” لم يأتِ بالوعود، وإنّما حملت زيارته رسالة تشجيع ودعوة للعمل، وصنع المعجزات “شيء هامٌ من اللاشيء”، فهل القيّمون الجدد على مرافق المدينة لقادرون على القيام بالتحوّلات الجذريّة المطلوبة، في ظلّ شلل سياسي محلّي ووطني وإقليمي عام؟!

ملاحظة أخيرة على هامش المشهد: لماذا، وعلى الدوام، يندرج رافعو صور المسؤولين الزوّار واليافطات المتملّقة ضمن قائمة “المستفيدين” من الفوضى والفساد والمنافع الخاصّة، ليس إلّا!!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top