
بقلم شادي هيلانة
لم ينتهِ الخلاف على ملف متفجرات ضهر البيدر بانسحاب وزراء القوات اللبنانية من جلسة مجلس الوزراء في قصر بعبدا أمس، فالاعتراض الذي أخرج الوزراء من الجلسة نقل القضية إلى مرحلة أكثر حساسية، عنوانها إصرار القوات على إحالة الملف إلى المجلس العدلي، في مقابل مساعٍ سياسية حالت حتى الآن دون حسم هذه الخطوة، وسط ترقب لما ستقرره معراب في ضوء مسار المعالجة الحكومية وما ستكشفه المرحلة المقبلة من مواقف وقرارات.
وفي هذا السياق، يقول عضو تكتل الجمهورية القوية النائب رازي الحاج لـ”ديمقراطيا نيوز” إن الحكومة كان يفترض أن تحيل ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي، باعتبار أن القضية تمس بالأمن القومي، وأن الجرائم من هذا النوع تستوجب الإحالة من دون مماطلة، ويشير إلى أن القوات اللبنانية ستطالب بطرح الملف على التصويت داخل مجلس الوزراء إذا تبيّن لها أن المناخ الحكومي لا يتجه نحو إحالته، في موقف يضع الحكومة أمام استحقاق واضح حيال كيفية التعامل مع القضية وحدود التسويات الممكنة بشأنها.
ولا ينفصل هذا الاشتباك عن موقف القوات من ملف السلاح، إذ يجدد الحاج تأكيد ضرورة تنفيذ القرارات السيادية المتعلقة بنزع سلاح حزب الله، وتوفير الغطاء السياسي اللازم لقيادة الجيش اللبناني كي تتمكن من تطبيقها، وفي مقدمة هذه القرارات جعل بيروت منزوعة السلاح، وهو قرار لم يُنفذ حتى الآن، ويرى أن المطلوب عملياً إقامة حواجز للجيش على الطرق التي تربط بيروت بالضاحية الجنوبية، وكذلك في المناطق التي يتمتع فيها حزب الله بنفوذ، إلى جانب مناطق أخرى في المتن والبقاع،مع ضبط المظاهر المسلحة وتوقيف المخالفين وإحالتهم إلى القضاء، بما يضع تنفيذ القرارات الحكومية أمام اختبار ميداني يتجاوز حدود الإعلان السياسي.
ومن زاوية أخرى، يوضح الصحافي والمحلل السياسي شارل جبور لـ”ديمقراطيا نيوز” أن القوات لم تطالب قائد الجيش العماد رودولف هيكل بالاستقالة، غير أنها ترى أن توجهاته أقرب إلى فريق الممانعة، ويشدد على أن الحكومة، التي اتخذت قرارات سيادية تتصل بنزع سلاح حزب الله، تتحمل مسؤولية تحديد المسار التنفيذي لهذه القرارات، معتبراً أن تقييم أداء قائد الجيش لا يمكن أن يكون دقيقاً قبل توفير القرار السياسي الذي يتيح له تنفيذ المطلوب منه.
أما في ملف متفجرات ضهر البيدر، فلا يخفي جبور تشاؤمه حيال فرص إحالة القضية إلى المجلس العدلي، ويرى أن جريمة بهذا الحجم كان يفترض أن تدفع الحكومة منذ الساعات الأولى، إلى عقد جلسة وزارية طارئة وإحالة الملف من دون تردد، على غرار ما جرى في ملفات أخرى، ويضيف أن استمرار غياب هذه الخطوة حتى الآن يدفع القوات إلى الاعتقاد بأن الإحالة قد لا تحصل، وهو موقف يفسر جانباً من اعتراضها على طريقة إدارة القضية، ويضع علامات استفهام حول المسار الذي ستسلكه داخل المؤسسات الدستورية.
وعلى الرغم من ارتفاع مستوى الاعتراض، يؤكد جبور أن القوات اللبنانية لن تستقيل من الحكومة في الوقت الراهن، مشدداً على أن هذا القرار لا يعني إقفال خيار الاستقالة مستقبلاً إذ ستبقى خيارات الحزب مفتوحة وفقاً لمسار الأحداث والقرارات التي ستتخذها الحكومة في المرحلة المقبلة بما يبقي العلاقة بين المشاركة الحكومية والتصعيد السياسي خاضعة لما ستؤول إليه معالجة الملف.
وفي موازاة المواقف المعلنة، تكشف معلومات “ديمقراطيا نيوز” أن الاتصالات السياسية بدأت تتكثف فور توزيع جدول أعمال مجلس الوزراء، قبيل انعقاد الجلسة، فيما قاد رئيس مجلس النواب نبيه بري تحركاً هدفه تطويق الخلاف ومنع انتقاله إلى مواجهة داخل الحكومة، وقد ساد استياء في عين التينة من إدراج الملف على جدول الأعمال، بعدما كان المعنيون قد أُبلغوا مسبقاً بأن القضية لن تمر بهذه السهولة، نظراً إلى تداعياتها المحتملة على العلاقة بين مكونات السلطة، فضلاً عن أن حزب الله يتعامل مع أي خطوة تصعيدية في هذا الملف باعتبارها مواجهة مباشرة معه، وفق منطق المواجهة الذي يعتمده في تعاطيه مع إسرائيل.
وبحسب المعلومات نفسها، انصبت الاتصالات على احتواء الاعتراضات وإظهار جدية الدولة في متابعة القضية، مع تجنب الوصول إلى قرار يدفع المواجهة إلى مستوى يصعب احتواؤه، وفي هذا الإطار، تركزت المساعي على تأجيل إحالة الملف إلى حين استكمال التحقيقات، مقابل تعهد الحزب بتسهيل عمل الأجهزة المعنية، وقد أتاح هذا التفاهم تجاوز الجلسة الحكومية من دون حسم الخلاف، فيما بقيت العقدة الأساسية قائمة، في ظل تساؤلات حول قدرة المؤسسات على استكمال الإجراءات القضائية من دون أن تتحول كل خطوة إلى مواجهة سياسية جديدة أو إلى اختبار لموازين القوى داخل مجلس الوزراء.
وتضيف المعلومات أن لقاءات واتصالات جرت مع مسؤولين أمنيين مقربين من حزب الله، وفي مقدمهم المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، في إطار الجهود الرامية إلى تطويق الخلاف ومنع تفاقمه، كما قام التفاهم الذي رافق الاتصالات بين الرئاسات الثلاث على تسهيل الحزب التحقيقات، في مقابل عدم إحالة الملف إلى المجلس العدلي في المرحلة الراهنة، وتقرأ مصادر سياسية هذه الصيغة باعتبارها محاولة لشراء الوقت وتهدئة الأجواء، مع ترجيح أن تحمل الأيام العشرة المقبلة محطات حساسة من دون استبعاد امتداد فترة الترقب إلى مدة أطول، في ضوء تقديرات تشير إلى استعداد الحزب لمختلف الاحتمالات المرتبطة بجبهة الجنوب.
وهكذا، يبقى ملف ضهر البيدر مفتوحاً على مسارين متوازيين، مسار قضائي ينتظر استكمال التحقيقات وتحديد الوجهة التي ستعتمدها الحكومة، ومسار سياسي تتداخل فيه حسابات الشركاء داخل السلطة مع المواقف السيادية المرتبطة بالسلاح، وبين إصرار القوات على الإحالة ومحاولات احتواء المواجهة، تتقدم الأيام المقبلة بوصفها محطة لاختبار قدرة الدولة على إدارة قضية أمنية حساسة وفق مقتضيات القضاء، بعيداً عن الضغوط السياسية التي قد تحدد إيقاع القرار أو تؤجل حسمه.
