
بقلم الياس عيسى الياس
تتوجه إسرائيل اليوم، الثلاثاء 27 تشرين الأول 2026، إلى صناديق الاقتراع في أول انتخابات يُتمّ فيها الكنيست ولاية كاملة منذ 38 عاماً.
وهي أول انتخابات منذ هجوم السابع من تشرين الأول 2023 وما تلاه من حروب واسعة امتدت إلى قطاع غزة ولبنان، ثم إلى مواجهات مباشرة مع إيران.
وعند كتابة هذه السطور لم تصدر النتائج بعد.
ورغم صخب الحملات ووعود التغيير، فلن تبدّل هذه الانتخابات سوى الوجوه والأدوات السياسية، ولن تمسّ جذور الصراع.
إنها أقرب إلى تغيير ديكور البيت بينما جدرانه توشك على الانهيار.
وتُظهر أحدث استطلاعات الرأي تقارباً شديداً ومقلقاً بين المعسكرين، ما يكشف أزمة بنيوية في نظام سياسي بات أسير الانقسام الحاد.
فمعسكر المعارضة، الذي يقوده رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت عبر حزب «ياشار»، ويضم شخصيات وأحزاباً بارزة مثل نفتالي بينيت ويائير لابيد ويائير غولان وأفيغدور ليبرمان، يحظى بنحو 54 مقعداً.
في المقابل، يقف معسكر اليمين الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو عبر حزب «الليكود»، مدعوماً بائتلاف من الأحزاب الدينية والمتطرفة، عند نحو 49 إلى 50 مقعداً.
ومن دون احتساب القائمتين العربيتين، يعجز الطرفان عن بلوغ عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لحسم الأغلبية المطلقة من أصل 120 مقعداً.
فنتنياهو يعتمد على الأحزاب الدينية، ومنها الحريديم، وأزمة تجنيد طلاب المعاهد الدينية تهدد استقرار أي ائتلاف يقوده، بينما يحتاج خصمه إلى الأصوات العربية ليبلغ الـ61.
ويفتح هذا الانسداد الباب أمام مفاوضات ائتلافية شاقة، أو تشكيل حكومة أقلية، أو الذهاب نحو انتخابات جديدة مبكرة في عام 2027.
وقد خاض نتنياهو حملته مستنداً إلى ما يعدّه إنجازات أمنية في الحروب الأخيرة، وإلى تحالفه الوثيق مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعلن تأييده له ملمحاً إلى إمكانية استئناف العمليات ضد إيران و«إكمال المهمة».
ولم يتردد في استخدام أساليب تخويفية، منها نشر صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي على حسابه الرسمي تُظهر سحابة نووية فوق تل أبيب، لتحذير الناخبين من عواقب سقوطه.
في المقابل، لم يتبنَّ منافسه الرئيسي آيزنكوت سياسة مهادنة تجاه طهران، بل أشاد علناً بالضربات الأميركية والإسرائيلية ووصفها بالشجاعة، ودعا إلى إقامة تحالف أمني إقليمي يشبه حلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط.
ويعارض، كغالبية الأحزاب، قيام دولة فلسطينية، وإن كان ينتقد تحركات المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية.
وهنا جوهر المسألة.
فآيزنكوت يركّز على انتقاد إدارة نتنياهو لإخفاقات تشرين الأول 2023 وسوء إدارته للحرب، لكن الفارق بين الرجلين يكاد يقتصر على التكتيك والأسلوب، لا على الجوهر الاستراتيجي ولا على أهداف الحرب.
وفي الداخل، يرزح الناخب الإسرائيلي تحت أعباء معيشية قاسية وتكاليف حرب باهظة تثقل الموازنة العامة، وسط تحذيرات متكررة من بنك إسرائيل ووزارة المالية.
وفي هذا المشهد المأزوم، يبرز الصوت العربي عنصراً حاسماً.
فالعرب يشكلون نحو 21% من إجمالي السكان، ويبلغ عدد الناخبين المؤهلين منهم نحو 1.18 مليون.
وتتوقع معاهد الاستطلاع ارتفاع نسبة المشاركة العربية إلى نحو 63%، مقارنة بـ56% في دورة 2022، مدفوعةً بالسخط المتصاعد تجاه سياسات الحكومة اليمينية، وتفشي العنف والجريمة، وغياب الخدمات.
وتخوض الأحزاب العربية المعركة بقائمتين رئيسيتين.
الأولى هي القائمة العربية الموحدة «رعم» بقيادة منصور عباس، الذي أبدى استعداده لدخول ائتلاف حكومي لإسقاط نتنياهو، وعزّز ذلك بوضع ضابط شرطة يهودي سابق في المرتبة الثانية لترسيخ الشراكة.
والثانية هي القائمة المشتركة التي تضم «حداش» و«تعال» و«بلد»، وتطرح خيار دعم حكومة برئاسة آيزنكوت من الخارج، بهدف أساسي هو تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من تشرين الأول.
وتشير التوقعات إلى حصول القائمتين معاً على نحو 16 مقعداً، وهو ما قد يرفع معسكر المعارضة إلى نحو 70 مقعداً لو أُخذت هذه الأصوات في الحسبان.
ومع ذلك، تتعرض القيادات العربية لإقصاء سياسي متواصل، حتى من معسكر المعارضة الذي يفتقر إلى الجرأة في المجاهرة بحاجته إليها.
وهنا يتضح أن الانسداد سياسي لا حسابي، وهي مفارقة تؤكد ما سبق: فالتغيير المرفوع شعاراً لا يشمل الشراكة مع من قد يحسم نتيجته.
وتتزايد المخاوف المحلية والدولية حيال نزاهة العملية الانتخابية، وهي مخاوف تمسّ الناخب العربي أولاً.
فقد أعلن حزبا الليكود والصهيونية الدينية نشر آلاف المراقبين، يتركز معظمهم في مراكز الاقتراع في البلدات العربية، وسط تحذيرات من محاولات ترهيب الناخبين وخفض نسب مشاركتهم.
كما أثار اجتماع عقده نتنياهو لبحث استعدادات الشرطة جدلاً واسعاً، تزامناً مع نظر المحكمة العليا في التماسات تطالب بمنع حمل السلاح داخل مراكز الاقتراع.
وهذا اختبار حقيقي للمؤسسات الديمقراطية الإسرائيلية حين تتصادم مع رغبة البقاء في السلطة.
وفي السياق الاستراتيجي الأوسع، ثمة شبه إجماع سياسي إسرائيلي على رفض إقامة دولة فلسطينية، والمضيّ في الضم التدريجي والإبقاء على السيطرة الأمنية، وهو ما يدفع إسرائيل نحو عزلة دولية متصاعدة.
وما دام هذا الإجماع قائماً، فلن يغيّر تبديل الوجوه المسار.
وللبنان في هذا الاستحقاق حصة مباشرة.
فسواء جاء نتنياهو أو آيزنكوت، فسيبقى قرار التصعيد أو التهدئة على حدود لبنان الجنوبية رهن حسابات الشركاء في ائتلاف هش، لا رهن رؤية واضحة تجاه لبنان.
ومن يراهن على أن تغيير الحكومة في تل أبيب سيغيّر قواعد الاشتباك، يراهن على ما لا تسنده المعطيات.
وسيبقى البيت على حاله مهما تبدّل ديكوره: تُدار الأزمات ولا تُحلّ، فيصبح الجار الأضعف هو الأكثر انكشافاً.
ولبنان، قبل غيره، لا يحميه إلا قرار سيادي تتولاه مؤسساته الوطنية، لا ما تسفر عنه صناديق غيره.
