
العقرب
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة لبلال أردوغان، نجل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى لبنان منتصف تشرين الثاني المقبل، وسط تساؤلات عن دلالاتها السياسية ورسائلها التي قد تتجاوز بكثير طابعها الودي والاستكشافي المعلن.
صحيح أن الزيارة تحمل أهدافاً اجتماعية وإنسانية واقتصادية، غير أن وزن الزائر وقربه من مركز القرار في أنقرة يجعلان من الصعب فصلها عن تحولات المشهد الإقليمي. وفي قراءة سياسية لدلالاتها، تبدو الزيارة بمثابة رسالة هادئة ولكن واضحة إلى إسرائيل: لبنان ليس ساحة متروكة للضغوط، واستقلال قراره وسيادته ليسا شأناً هامشياً في الحسابات التركية.
هذه القراءة لا تأتي من فراغ. فقد أكدت أنقرة مراراً دعمها سيادة لبنان ووحدة أراضيه، فيما بات أمن بيروت واستقرارها يُطرحان في النقاش الاستراتيجي التركي ضمن دائرة أوسع تتصل بأمن سوريا وشرق المتوسط. ومن هنا، تكتسب الزيارة معنى يتجاوز المجاملة، وتعكس توجهاً تركياً متنامياً إلى اعتبار استقلال القرار اللبناني جزءاً من أمنها القومي، وإيصال رسالة مفادها أن لبنان لن يُترك منفرداً في مواجهة الضغوط الإسرائيلية.
وتأتي الزيارة أيضاً في ظل تقارب وتنسيق متناميين بين تركيا والسعودية ومصر، برزت ملامحهما مجدداً في اللقاء الوزاري الذي استضافته إسطنبول في 23 تشرين الأول، بمشاركة باكستان، حيث جرى التأكيد على رفض سياسات الاحتلال الإسرائيلي والدعوة إلى الاستقرار والحلول الدبلوماسية. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التحرك التركي نحو لبنان باعتباره جزءاً من مشهد إقليمي تتلاقى فيه قوى وازنة على رفض فرض الوقائع بالقوة وإعادة رسم خرائط المنطقة على حساب سيادة دولها.
أما في الداخل اللبناني، فتكتسب الزيارة طابعاً مزدوجاً، رسمياً وشعبياً. فإلى جانب اللقاءات المرتقبة مع مسؤولين ومراجع روحية، يبرز الاهتمام اللافت بطرابلس وعكار، مع تخصيص يوم كامل لكل منهما وفق البرنامج المتداول. وهذا الحضور في الشمال لا يقتصر على الروابط التاريخية والاجتماعية مع تركيا، بل يحمل دلالة وطنية مفادها أن توثيق العلاقات مع الخارج يمكن أن يجري من بوابة الدولة اللبنانية ووحدتها، لا من بوابة مشاريع الانعزال أو دعوات الحكم الذاتي والتقسيم.
وتكتسب محطة عكار أهمية خاصة، باعتبارها منطقة ظلت طويلاً خارج أولويات الاستثمار الوطني، فيما يعكس الحضور الشعبي المنتظر في طرابلس امتداد العلاقات اللبنانية التركية إلى ما يتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية. وهكذا، تتقاطع رمزية الزيارة الشعبية مع رسالتها السياسية الأوسع، لتطرح تصوراً لعلاقة تقوم على الشراكة مع لبنان الموحد، لا مع كيانات أو مناطق منفصلة عنه.
ولطرابلس تحديداً، قد تحمل الزيارة معنى إضافياً. فالمدينة التي عاشت ما يشبه سبعين عاماً عجافاً من الفرص المهدرة، تقف اليوم أمام فرصة اقتصادية جديدة، مع إعادة تحريك ملفات المرفأ، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، ومعرض رشيد كرامي، ومطار القليعات في الشمال. وهي مشاريع تحتاج إلى استثمارات وقرارات وتنفيذ، لكنها تعيد فتح النقاش حول دور طرابلس بوصفها بوابة لبنان الاقتصادية إلى المنطقة، وما يمكن أن تضيفه تركيا من شراكات وخبرات واستثمارات محتملة.
وبين رسائل السياسة وفرص الاقتصاد وحفاوة الشمال، يبقى السؤال الأهم: هل تكون زيارة بلال أردوغان مجرد محطة تعارف واستطلاع، أم إحدى الإشارات الأولى إلى مرحلة جديدة يصبح فيها لبنان أكثر حضوراً في شبكة التوازنات الإقليمية، وتستعيد فيها طرابلس موقعها الذي انتظرته طويلاً؟
