صنّاع الملوك بلا حقائب: العرب بين صناديق الاقتراع وأبواب الحكومة

بقلم الياس عيسى الياس

أبرز ما حملته انتخابات الكنيست التي جرت في 27 تشرين الأول 2026 هو إقبال عربي أعلى بوضوح مما سبق.

فبحسب استطلاعات الخروج، ارتفعت حصة الأحزاب العربية إلى ما بين 17 و18 مقعداً، نحو 10 إلى 11 منها للقائمة المشتركة —التي تضم أحزاباً مثل “حداش” و”بلد”— وحوالى 7 للقائمة العربية الموحدة “راعم”.

وهي أرقام أولية، ولم تصدر النتائج الرسمية بعد.

واستطلاعات الخروج تقديرات تُجرى مع ناخبين غادروا مراكز الاقتراع للتو، وتُنشر فور إغلاقها وقبل بدء الفرز الرسمي. وقد تختلف عن النتائج النهائية بعدة مقاعد، خصوصاً بالنسبة إلى القوائم القريبة من العتبة.

وعكست استطلاعات القناتين 12 و13 تقارباً بين كتلة التغيير بقيادة غادي آيزنكوت (نحو 52 إلى 53 مقعداً) وكتلة نتنياهو (نحو 50 مقعداً)، بينما خالفتهما القناة 14 وحدها مرجّحةً أغلبية من 61 أو 62 مقعداً لمعسكر نتنياهو.

وما دام الحسم قد يتأخر، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالين.

فإن حسم أحد المعسكرين عتبة الـ61 مقعداً دون الأصوات العربية، خرج العرب من المعادلة تماماً.

وإن استمر المأزق، وجدت الأحزاب اليهودية نفسها مضطرة إلى الالتفات نحو هذا الثقل البرلماني.

وكان آيزنكوت قد أعلن قبل الاقتراع أنه لن يُدخل الأحزاب العربية في حكومته، وهنا يبرز نموذج ثالث بين المشاركة والإقصاء: أن تمتنع هذه الأحزاب عن التصويت ضد حكومة أقلية فتتيح قيامها، فتصبح “صنّاع ملوك بلا حقائب”.

وعند العودة إلى التاريخ، لا يصح التعميم المطلق، فثمة استثناءات تؤكد القاعدة ولا تنفيها.

فقد دعمت كتل مثل “حداش” والحزب الديمقراطي العربي حكومة إسحاق رابين (1992-1995) من خارج الائتلاف لتمرير اتفاقيات أوسلو، وتولّت شخصيات عربية ودرزية مناصب وزارية، كصالح طريف عام 2001 وغالب مجادلة عام 2007.

ثم أوصت القائمة المشتركة ببيني غانتس عام 2020، ودخلت “راعم” عام 2021 في خطوة غير مسبوقة إلى ائتلاف بينيت ولابيد الذي دامت ولايته نحو عام (حزيران 2021 إلى حزيران 2022).

غير أن هذه الوقائع ظلت استثناءات قصيرة، محكومة بظروف طارئة وبضغط الأرقام، وليست تحولاً في عقيدة الدولة.

ولا يمكن قراءة الخريطة العربية ككتلة صماء.

فهناك فرق جوهري بين نهج “راعم” القائم على الاندماج والبراغماتية المعيشية، ونهج أطراف في القائمة المشتركة، مثل حزب “بلد”، ترفض مبدئياً الانخراط أو منح الثقة لأي حكومة صهيونية.

وهذا يعني أن الإقصاء ليس سياسة تمارسها المؤسسة الإسرائيلية وحدها، بل هو انعكاس لتباينات حقيقية داخل الشارع العربي نفسه حيال الانخراط في مؤسسات دولة تعرّف نفسها دينياً وقومياً.

كما تتعدد أشكال المشاركة وتتباين تداعياتها، بين تولي الوزارات، أو الدعم من خارج الائتلاف، أو تشكيل كتلة مانعة.

وحين يرفض قطاع واسع من النخبة السياسية الإسرائيلية، في اليمين والوسط، الاعتماد على الأصوات العربية، فإن ذلك لا يرتبط بالهاجس الأمني وحده، بل يخضع أيضاً لحسابات انتخابية، أبرزها خشية أحزاب الوسط من خسارة ناخبيها اليهود.

ولهذا يبقى خيار “حكومة يهودية خالصة” أو حكومة وحدة بديلة وارداً، تفادياً لأي “ليّ للذراع” قد تفرضه الأرقام البرلمانية.

وفي انتظار النتائج الرسمية، قد لا يدخل العرب الحكومة القادمة، لكنهم قد يملكون ما هو أبعد من حقيبة وزارية: القدرة على تقرير من يحكم ومن يسقط.

فهل يتحول هذا الثقل القياسي إلى نفوذ حقيقي في القرار، أم تبقى ديمقراطية بلا شراكة؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top