
بقلم ياسمين شعبان
مع بدء إجراءات قطع التغذية الكهربائية عن إدارات ومؤسسات عامة متخلّفة عن تسديد فواتيرها، لم تعد القضية محصورة بتحصيل مستحقات مؤسسة كهرباء لبنان، بل تحوّلت إلى اختبار لواقعية الموازنات العامة وقدرة الدولة على تمويل تشغيل مرافقها. فالفواتير المتراكمة، وفق الكاتب والباحث محمد شمس الدين، تكشف نهجاً مالياً مستمراً منذ سنوات، يقوم على رصد اعتمادات لا تتناسب مع الاستهلاك الحقيقي، بما يرحّل الالتزامات من سنة إلى أخرى.
وفي حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، اعتبر شمس الدين أن قطع الكهرباء عن أي مواطن أو شركة أو مؤسسة لا تسدّد ما يترتّب عليها هو إجراء طبيعي من حيث المبدأ، لكن تطبيقه على الإدارات الرسمية يختلف عمّا جرى خلال العقود الماضية. فبينما كانت التغذية تُقطع عن المشتركين المتخلّفين عن الدفع، استمرّت المؤسسات الحكومية في الحصول على الكهرباء رغم تراكم فواتيرها، ما أوجد، بحسب وصفه، مشكلة بنيوية يصعب تجاهلها اليوم.
وأوضح أن أصل الأزمة يكمن في آلية إعداد الموازنة، حيث تُرصد للكهرباء اعتمادات تقديرية تحت بند “بدل المقطوعية”، يفترض أن تكون قريبة من الكلفة الفعلية. إلا أن هذه التقديرات، وفق شمس الدين، قد لا تمثّل سوى 10 إلى 15 في المئة من الفواتير المتوقعة، في إطار محاولة خفض النفقات الظاهرة وإبراز موازنة متوازنة تتساوى فيها الإيرادات والمصروفات.
وأشار إلى أن عدم قطع الكهرباء سابقاً عن الإدارات شجّع عملياً على استمرار هذا الخلل، فتراكمت الديون عاماً بعد عام، وبلغت في بعض الحالات مبالغ بملايين الدولارات. وشدّد على أن تقليص الاعتمادات على الورق لا يعني خفض الاستهلاك أو إلغاء النفقات، بل يؤجّل تسديدها ويحوّلها إلى أعباء مالية مؤجّلة على الدولة.
ولفت إلى أن الاعتمادات المقدّرة للكهرباء في مشروع موازنة عام 2027 تقارب سبعة ملايين دولار لمختلف الإدارات الحكومية، بينما قد تصل الحاجة الفعلية، وفق تقديراته، إلى نحو 70 مليون دولار سنوياً. واقترح العودة إلى فواتير عام 2024 وما تلاه، وتحديد استهلاك كل مؤسسة على حدة، تمهيداً لرصد مبالغ واقعية تسمح بتسديد الفواتير الجديدة من دون مضاعفة المتأخرات.
ورأى شمس الدين أن الاعتراف بالكلفة الحقيقية سيؤدي إلى ارتفاع النفقات المسجّلة وربما زيادة العجز، لكنه شرط أساسي لشفافية الموازنة. ودعا إلى إجراء جردة شاملة بالديون المتراكمة وجدولتها على ثلاث أو أربع سنوات، بالتزامن مع تصحيح الاعتمادات السنوية، بدلاً من الاكتفاء بتسويات ظرفية تعيد الأزمة إلى نقطة البداية.
وفي هذا السياق، شدّد على أن المشكلة لا تتعلق بمؤسسة واحدة أو باستحقاق مالي محدّد، بل بمنهج إعداد الموازنة نفسه، إذ إن تقدير النفقات على أساس أرقام أقل من الواقع يضع الإدارات أمام خيارين أحلاهما مرّ: تراكم الديون أو تعثّر تقديم الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها المواطنون يومياً.
أما مؤسسات المياه، فاعتبر أن وضعها يستدعي معالجة مختلفة، نظراً إلى اعتمادها على الكهرباء لتشغيل المضخات وتأمين المياه للمواطنين. وأوضح أن هذه المؤسسات تواجه كلفة إضافية لتشغيل المولدات بالمازوت، فيما تعتبر أن رسوم الاشتراك لا تغطّي كامل نفقاتها. وحذّر من معالجة العجز بزيادة الأعباء على المواطنين، لافتاً إلى أن بعض المشتركين يدفعون نحو 17 مليون ليرة سنوياً مقابل مياه لا تصل بانتظام، خصوصاً خلال الصيف، فضلاً عن اضطرارهم لشراء مياه الشرب.
وفي ما يخص التمويل، طرح شمس الدين تحسين تحصيل الضرائب المرتبطة بالأملاك المبنية وإشغال الأملاك البحرية، ومكافحة التهرّب الضريبي، باعتبارها خيارات لتأمين إيرادات إضافية. ورفض نقل الكلفة مجدداً إلى المواطنين عبر الضرائب على المحروقات والتبغ أو رفع الرسوم الإدارية والمالية، مشدّداً على محدودية قدرتهم على تحمّل أعباء جديدة.
وحذّر من أزمة موازية تتعلّق بوقود المولدات في المؤسسات الرسمية. فبحسب الأرقام التي أوردها، ارتفعت كلفة المازوت بنحو 115 في المئة منذ بداية السنة، مقابل زيادة بنحو 28 في المئة فقط في الاعتمادات المرصودة له، ما ينذر بفجوة تمويلية إضافية.
وخلص إلى أن معالجة ديون الكهرباء وحدها لن تكفي ما لم تُصحَّح طريقة تقدير نفقات الطاقة بمجملها، ويُعتمد تمويل واقعي ومستدام يضمن استمرارية عمل المؤسسات من دون تحميل المواطنين فاتورة جديدة.
