
كتبت صحيفة “الجمهورية” تقول:
الواضح الوحيد في مسار الأحداث الدولية، هو أنّ رياح الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية تنذر في شقها الداخلي، بعاصفة سياسية يتوعّد بها الحزب الديموقراطي في وجه الرئيس دونالد ترامب وإدارته الجمهورية، وأما ارتدادات هذه العاصفة على السياسة الخارجية، والقضايا والملفات والنقاط الساخنة، التي تعني واشنطن خارج الولايات المتحدة وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط، فيكتنفها غموض شديد، يحجب اتجاهات رياحها السياسية وغير السياسية، سواء على مستوى مستقبل الوضع داخل إسرائيل، في ظل الأزمة السياسية الناشئة بعد الانتخابات، او على مستوى الملف الإيراني، الذي يقع على بعد متساوٍ من احتمال التصعيد، واحتمال اقتراب الجانبين الأميركي والإيراني من بلوغ اتفاق ينهي الحرب. ويزامن ذلك، مشهد آخر اكثر غموضاً وريبة في آن معاً، يتبدّى في الأجواء الأوروبية الملبّدة بالإنذارات الكاذبة التي تربك حركة الطيران المدني، وسط مخاوف حقيقية من أن يتوسّع نطاق هذا الهجوم المجهول الهوية والأهداف، ويستهدف مجالات وقطاعات أوروبية أخرى.
ترقّب الارتدادات
وسط هذا المشهد، يتموضع لبنان على مقعد الإنتظار وترقّب تبلور مشهد المنطقة وما قد يتسارع فيه من تطوّرات، وربما متغيّرات وتحوّلات ستلفحه حتماً، بارتداداتها وتأثيراتها، أكانت إيجابية او سلبية. وأمّا الحدّ الزمني لهذا الترقب، وفق ما يقول مسؤول رفيع لـ«الجمهورية»، «فليس معلوماً مداه، كما ليس معلوماً ما قد تبرز من تطوّرات لاحقاً، ربطاً بالمتغّيرات التي أحدثتها الانتخابات في إسرائيل وفي أميركا. وتبعاً لذلك، لن أجازف بالتأكيد في توقع إيجابيات، بل أُبقي على قدر كبير من الحذر».
ورداً على سؤال عمّا إذا كان عامل الاطمئنان مفقوداً، قال: «لا اقول ذلك، بل اقول بضرورة أن نبقى حذرين، في انتظار ما سيثبت من وقائع على ارض الواقع».
وأوضح قائلاً: «لم نتلق أي تحذير من أيّ أمر، او اي تطمين من أيّ مستوى أو مصدر خارجي إزاء المرحلة المقبلة، بل في كثير من الأحيان هم يسألوننا عمّا يمكن ان يحصل، وهذا يعني «انو ما حدا عارف شو بدو يصير».
حالياً مثل اللامعلّق ولا مطلّق، وأشبه بتصريف اعمال على كلّ المستويات، وذلك حتى تتوضح صورة المنطقة ويقضي الله أمراً كان مفعولاً فيها». مضيفاً: «أكثر عوامل الإرباك والإقلاق الداخلي في هذه المرحلة، هو فلتان المنظّرين الذين يوهمون الناس بإيجابيات فارغة، وجوقة التحليل والتهويل والتحريض وتخويف الناس من حرب وشيكة، الذين يحتلون الشاشات والمنصّات ومواقع التواصل. لا اعتقد أنّ ما يتفوّه به هؤلاء لم يصل بعد إلى مسمع وزير الإعلام»!
الأولوية الملحّة
على أنّ الغموض الذي يعتري مشهد المنطقة ومن ضمنه ملف لبنان، في مرحلة ما بعد الانتخابات الأميركية، يفرض في رأي مرجع كبير «أولوية ملحّة في الداخل اللبناني، هي ترسيخ الإستقرار الداخلي».
وفي معرض ردّه على سؤال لـ«الجمهورية» قال: «هذا الاستقرار يشكّل ضرورة أكثر من ملحّة في المرحلة الحالية، وجهد الجميع يجب أن يتضافر نحو استقرار طويل الأمد، إذ إنّ الحلول – إن كانت هناك حلول اصلاً – قد لا تتبلور في المدى المنظور».
وأوضح قائلاً: «واشنطن كما هو معلوم هي صاحبة الدور الأساس في الملف اللبناني، سواء على مستوى الداخل، او على مستوى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، والاتفاق الإطاري الناجم عنها، والمؤشرات من الولايات المتحدة تفيد بأنّ اكتساح الحزب الديمواقراطي لمجلسي النواب والشيوخ، أدخل الولايات المتحدة في حقبة جديدة، ستكون صعبة على الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته الجمهورية، سواء في الداخل الأميركي أو على مستوى القضايا الخارجيّة التي تعني الولايات المتحدة. معنى ذلك انّ هذه الانتخابات قد تؤدي إلى إعادة خلط أوراق الأولويات الأميركية. وتبعاً لذلك، قد تقتضي أولويات واشنطن ما بعد الانتخابات النصفية، فرملة الدور الذي يقوده ترامب وإدارته تجاه لبنان حالياً، او تخفيف اندفاعته. والنتيجة الطبيعية لذلك، هي إخراج الملف اللبناني من خانة الأولوية التي كان عليها في ظل إدارة ترامب قبل خسارته الانتخابات النصفية، وصولاً إلى تبطيء مقاربته، حتى لا اقول تجميده إلى أجل غير مسمّى».
التقارب والحوار
إلى ذلك، أبلع مصدر رسمي إلى «الجمهورية» قوله، «إنّ أولوية المستويات الرسمية، وفي مقدمها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، هي تخفيف التوترات السياسية وعدم تفاقمها، وقطع الطريق على احتمال الانحدار إلى واقع يصعب احتواؤه ويخرج عن السيطرة».
يتقاطع ذلك، مع أجواء متداولة في أوساط سياسية مختلفة، تلفت إلى ما تصفها حالة جفاء مستشرية بين مستويات سياسية ورسمية، مردّها إلى النفور المتبادل، وانقطاع التواصل على أكثر من خط داخلي، وانتفاء لغة الحوار التي توجبها هذه المرحلة.
ورداً على سؤال قال مرجع سياسي لـ«الجمهورية»: «وفق ما أعتقد، فإنّ في لبنان لا توجد عداوات بل خصومات، وفي الخصومة تبقى المفاتيح موجودة لفتح آفاق للتفاهم والتلاقي. ولنعترف انّ الوضع بين المكونات الداخلية ليس طبيعياً، بل وضع مَرَضيَ، وعلاجه بسيط جداً بإعادة فتح باب التواصل، ولو بصورة تدريجية، لأنّ استمرار القطيعة لا يخدم بشكل من الأشكال الاستقرار الداخلي، ويضع البلد امام أزمات إضافية في مرحلة شديدة الحساسية. ومن هنا لا بدّ من إزالة التشنجات وعدم تحويلها إلى مشكلة».
واكّد المرجع عينه «انّ ترسيخ الإستقرار الداخلي يتطلّب الحدّ الأدنى من التواضع من قبل كل الأطراف، والإسهام في مبادرات وحتى تنازلات وخطوات ملموسة، لاحتواء التشنجات وتنقية الأجواء من التوترات التي لا تجدي نفعاً».
إشارات تصعيدية
وفي موازاة هذا الوضع، وعلى الرغم من التصعيد الإسرائيلي المتواصل في المنطقة الجنوبية، فإنّ تقديرات سياسية تتقاطع على استبعاد إقدام إسرائيل على رفع وتيرة التصعيد على جبهة لبنان، وذلك ربطاً بالتطورات السياسية داخل إسرائيل، والأزمة المتفاقمة التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة. الّا انّ الإعلام العبري عَكَس في الأيام الأخيرة ما بدت انّها إشارات تصعيدية من قبل إسرائيل، تبعث على القلق من احتمال استتباعها بخطوات عدوانية.
فقد لوحظت عودة تركيز الإعلام العبري في هذه الفترة على «حزب الله»، حيث نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية تقريراً أفادت فيه، بأنّ «الحزب يستغل هذه الفترة لإعادة بناء قدراته، ورفع كفاءة عناصره، وجمع معلومات عن الجيش الإسرائيلي». وأشارت إلى «انّ الجيش الإسرائيلي لا يُفصح عن معلومات حول الطائرات من دون طيار التي يعترضها على الحدود الشمالية، ولكن بعضها على الأقل طائرات استطلاع وتصوير من دون طيار تابعة للحزب».
بدوره، نقل موقع «والا» العبري عن مسؤول أمني إسرائيلي رفيع، بأنّ «حزب الله» نفّذ خلال الاسابيع الأخيرة أنشطة، وحاول زيادة الاحتكاك مع الجيش الإسرائيلي على امتداد الخط الأصفر في جنوب لبنان، بهدف توجيه رسالة باسم إيران، وإيجاد ورقة ضغط على المستوى السياسي في إسرائيل، لدفعه إلى الأخذ في الحسبان انّ اندلاع مواجهة مع طهران ستكون لها تداعيات».
واللافت أمس، إعلان الجيش الإسرائيلي عن العثور على نفق تابع لـ«حزب الله» داخل منزل مدني. وقالت المتحدثة باسمه إيلا واوية، في منشورٍ عبر حسابها على منصة «إكس» أمس الجمعة: «من الخارج منزل مدني، ومن الداخل فتحة نفق بعمق نحو 7 أمتارٍ، احتوت على معدات طبية ومستلزمات للمكوث، كشفتها قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان». وأضافت: «إنّ هذا ما يفعله «حزب الله»، يختبئ خلف واجهات مدنية، ويحوّل المنازل إلى مواقع تخدم نشاطه العسكري».
ووجّهت واوية السؤال لأهل لبنان: «كم منزلًا آخر يخفي «حزب الله» تحته ما لا يعرفه أصحابه؟». وقالت: «ما يخفيه «حزب الله» تحت الأرض، تكشفه قواتنا فوقها».
عون
في المواقف، اكّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون «انّ لبنان بما يملكه من طاقات بشرية وكفاءات علمية مهنية وموقع جغرافي مميز، يشكّل ارضاً واعدة للاستثمار». لافتاً إلى «أننا نعمل على تهيئة الظروف الملائمة لاستعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني، وتعزيز البيئة الاستثمارية، وتوفير الضمانات التي تشجّع المستثمرين على المساهمة في ورشة إعادة بناء الاقتصاد وتطوير القطاعات الإنتاجية».
وقال عون: «انّ لبنان يتطلّع إلى تعزيز التعاون بين الشركات اللبنانية والكويتية، والانتقال بها من العلاقات التجارية التقليدية إلى مشاريع استثمارية مشتركة، تقوم على تبادل الخبرات وتكامل الإمكانات، والاستفادة من الفرص المتاحة في البلدين».
وختم قائلاً: «لطالما وقفت الكويت إلى جانب لبنان، ونحن نريد لهذه العلاقة التاريخية أن تُترجم اليوم إلى شراكات اقتصادية واستثمارية مستدامة تعود بالنفع على الجانبين».
بري
وجدّد رئيس مجلس النواب نبيه بري التأكيد أمام سفيرة الإتحاد الأوروبي لدى لبنان ساندرا دو وال، أنّ «القرار الأممي 1701 هو الضامن القانوني لحق لبنان باستعادة أرضه كاملة حتى الحدود المعترف بها دولياً، وأنّ قوات الطوارئ الدولية تمثل إطاراً عملانياً لتنفيذ كامل بنود هذا القرار».
سلام
واما رئيس الحكومة نواف سلام، فقال امام وفد الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم: «إنّ الاغتراب اللبناني كان على الدوام ركيزة أساسية في صمود لبنان، بما قدّمه من دعم لأهله، وما راكمه من نجاحات وخبرات وعلاقات في مختلف أنحاء العالم. واليوم، تقع على عاتقنا مسؤولية تعزيز الأمن والاستقرار، والمضي في الإصلاحات، بما يوفّر بيئة تحمي حقوقهم وتشجّعهم على الاستثمار في وطنهم. فنحن نريدهم شركاء فعليين في النهوض بلبنان وبناء مستقبله، وأن نستفيد من طاقاتهم وكفاءاتهم وعلاقاتهم في مختلف المجالات».
