“بلديّات..” الحرب والفراغ!

بقلم جوزاف وهبه

يستطيع وزير الداخليّة والبلديّات بسّام مولوي أن يعدّ كامل العدّة الماليّة واللوجيستيّة والمهل القانونيّة لإجراء الإستحقاق البلدي والإختياري في موعده المؤجّل إلى شهر أيّار 2024 ( 12 و 19 و 26) ولكنّه لا يستطيع أن يتنبّأ أو يتحكّم بالعوامل السياسية، وهي الأساس في إجراء أو عدم إجراء الإنتخابات، بالرغم من الضرورة القصوى لذلك نظراً للظروف المحيطة بالواقع البلدي في لبنان، حيث هناك 104 مجالس بلديّة منحلّة (من أصل 1059 بلديّة)، وحصّة الشمال وازنة فيها إذ تمّ حلّ 36 مجلساً موزّعين على الأقضية بالشكل التالي:18 في عكار، 5 البترون، 5 الكورة، 3 الضنّية، 2 بشرّي، إضافة إلى بلديّات الميناء والقلمون والمنية..هذا عدا الشلل الذي يصيب الكثير من المجالس الأخرى، أمّا بسبب الخلافات المستحكمة بين الأعضاء، وأمّا بسبب النقص المالي الحاد في صناديقها جرّاء العجز اللاحق بكلّ ميزانيّة الدولة! ولعلّ الوزير مولوي نفسه يدرك أكثر من غيره مدى الحاجة إلى إجراء الإنتخابات، حيث يشهد على تعثّر معظم البلديات الكبرى التي تحيط به:في طرابلس، نزاع حادّ يعطّل انعقاد إجتماعات المجلس بسبب الخلاف المستحكم بين الرئيس العائد بقرار مجلس شورى الدولة الدكتور رياض يمق وبين الأعضاء، ما أدّى الى استقالة 7 منهم واضعين إستقالاتهم في عهدة المفتي الشيخ محمد إمام..مجلس بلديّة الميناء منحلّ، وفي عهدة أمينة سرّ المحافظة منذ استقالة أغلبيّة أعضائه في نهاية العام 2019 بتأثير من أجواء الإنتفاضة الشعبيّة التي اندلعت آنذاك..كذلك البلديّتان الكبيرتان في المنية والقلمون، ما يشكّل طوقاً بلديّاً متعثّراً في عقر دار الوزير الذي يريد دون شكّ إجراء الإنتخابات..ولكن، ما كلّ ما يتمنّى الوزير يدركه!..

في أيار 2023 لجأت القوى السياسية إلى حجّة واهية (عدم توفّر التمويل اللازم) كي تؤجّل الإنتخابات، وهي حجّة هشّة كان يمكن تجاوزها لو صفت النيّات..فكيف ستكون الحال في أيّار 2024، والأحوال السياسية والأمنية أكثر تعقيداً وخطورة من الأسباب الماليّة؟..

هناك حجّتان كبيرتان، وربّما تكونان موضوعيتين، يمكن أن يستكين إليهما السياسيون الذين يفضّلون أن يبقوا بمنأى عن هذه التجربة الإنتخابية التي يمكن لنتائجها أن تكشف حجم بعض القوى كالتيّار الوطني الحر مثلاً، والتي يمكن للصراعات التي تتولّد منها في كلّ مدينة وبلدة وقرية وعائلة أن تربك بعض القوى الأخرى ك”حزب الله” الذي يخوض حرباً مصيرية لا تتعلّق بدوره في المنطقة فحسب، وإنّما بدور كلّ قوى الممانعة، وفي طليعتها إيران نفسها:
-الأولى تتمثّل في الفراغ الرئاسي. فرئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل الذي يخوض حرباً ضروس في معركة بعبدا، متّكئاً على كتلة سياسيّة من 18 نائباً، يتهيّب خوض المعارك البلدية التي يمكن أن يخرج منها خاسراً، ما يجعله يفقد تلقائيّاً بعض نفوذه الرئاسي. لا مصلحة لباسيل بأيّ إنتخابات قبل اكتمال عقد الرئاسة الأولى. وهذا ينطبق على قوى أخرى تفضّل ألّا تتجرّع كأس البلديات والمخاتير، والتي قد يكون طعمها مُرّاَ!..
-الثانية هي الحرب. صحيح أنّ الحزب قد بدأها دعماً وإسناداً لغزّة، إلّا أنّ إسرائيل قد فكّت الإرتباط بين الساحتين حيث أعلن قادتها أنّ هدنة غزّة ليس بالضرورة أن تنعكس على جبهة لبنان، ما يعني أنّنا أمام حرب مفتوحة على كلّ الإحتمالات، خاصّة بعد التصعيد المتدحرج والذي قد طال عمق البيئة الحاضنة للحزب في بعلبك والبقاع، ما ينذر بمخاطر لا حدود لها، رغم الضغوطات الدولية التي تحاول النأي بلبنان عن حرب مدمّرة كحرب غزّة..وهذا ما يأخذنا الى الإستنتاج دون عناء يُذكر أنّه ليس لدى الحزب أيّ مصلحة أو وقت حتى للتفكير بهذه الإنتخابات التي تُخرج الصراعات المحلّية في كلّ قرية وبلدة إلى العلن!..

قوّتان أساسيّتان وازنتان في البد، لا مصلحة لهما بتاتاً بإجراء الإنتخابات البلديّة والإختياريّة: فمن أيّ خرم سياسي – إنتخابي يمكن لوزير الداخلية أن يمرّر هذا الإستحقاق الدستوري الكبير ؟..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top