بقلم جوزاف وهبه

هل نحن مفطورون على الموت والجراح والوجع المكتوم؟ هل نحن “خير أمّة” أُخرجَت كي نقدّم الشهيد تلوَ الشهيد في كلّ ساحة، وفي كلّ زمان ومكان مناسبين أو غير مناسبين؟ هل نحن أبناء الحياة، أو الواقفون على الأطلال ورخام الأضرحة وحملة الأكاليل والرياحين؟ هل وُلدنا في هذه الأوطان المبعثرة كي نحيا فوق التراب، أو كي نتوزّع بين الخنادق والأنفاق وظلمة القبور؟ هل لغتنا العربيّة تنبض بما هو جميل، أو لاستنباط التعابير التي تهيّئ لحالة واحدة ومشهديّة واحدة:نزفّ، ونرتقي ونتلقّى التباريك..فدى الزعيم، وفدى القائد الملهم، وفدى المرشد الأعلى والمهدي المنتظر؟
لا يمكن لوطن (أو مجتمع) أن يقوم على فكرة واحدة:الموت.لا يمكن لوطن (أو طائفة) أن يستمدّ كلّ مآسي التاريخ كي يبني على رواياتها مداميك الحاضر والمستقبل.لا يمكن أن نقتنع أنّ “الدين” يريدنا أن نستشهد وأن نفرح بهذا الإستشهاد، وكأنّ الشباب لا تكتمل رجولتهم، ولا يكتمل إيمانهم، إلّا بالسقوط مضرّجين في دمائهم، أكان في الجنوب والبقاع، أو غزّة والعراق وسوريا واليمن..لا يمكن أن نقبل بما فعلته وتفعله الجماعة الإسلامية (أو قوّات الفجر) من الغرق في حرب لا تمتّ بأيّ صلة بتحرير القدس أو المسجد الأقصى.فكلّ ما يدور هو في سياق لعبة الأمم الكبرى، ولعبة النفوذ وتحسين شروط التفاوض.كلّ ما يجري يصبّ في خدمة المشروع الفارسي الذي احتفل قادته، في مرحلة سابقة، بادّعاء السيطرة على أربع عواصم عربية:فهل هذا ما تريده الجماعة الإسلامية؟
أرادت أو لم تُرد، فهي قد سقطت في هذا الفخّ.هي باتت رهينة ما يقرّره حزب الله الذي سبق أن أعلن، بفم وأصبع أمينه العام، الولاء الكامل والمطلق للمرجعية الدينية والسياسية في طهران، ممثّلة بالإمام الحاضر الخامنئي الذي ينتظر الإمام المغيّب، في استعادة عبثيّة لوقائع تاريخيّة من خارج العقل والحداثة والعالم الجديد..الجماعة الإسلامية أخطأت وتخطئ في أمرين كبيرين:
-الأوّل، أنّها تخوض حرب الآخرين، بشروطهم وعناوينهم وربّما أسلحتهم.نحن نعرف، والجماعة تعرف، أنّ طلقة رصاص واحدة لا يمكن أن تنطلق من الجنوب دون أذن قوّات الرضوان.نحن نعرف، والجماعة تعرف، أنّ صواريخ قوّات الفجر تتحرّك وفق خارطة وحسابات الحزب، بلا زيادة ولا نقصان.وإذا كانت ذاكرة قيادة الجماعة قد خانتها، فلنذكّرها أنّ من قتل أبطال جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمّول) إنّما هم اليوم الذين يديرون حرب الإسناد أو المشاغلة.مَن يريد أن يدافع عن أرضه، لا يمكن له أن يغتال بكواتم الصوت أمثال حسين مروّة ومهدي عامل وحسن حمدان وجورج حاوي ومحمد سليم، وغيرهم قائمة طويلة من المناضلين الأصفياء كمياه نبع رقراق!
الثاني، ماذا فعلت الجماعة في ببنين؟ ما معنى أن يستعرض ملثّمون أسلحتهم وقذائفهم في فضاء عكار؟ هل كسر هيبة الدولة والجيش والقوى الأمنية هو مطلب الجماعة ويخدم أهدافها، أو يأتي في سياق التغطية على تفرّد حزب الله بقرار السلم والحرب في لبنان، خاصّة وأنّ هناك شبه إجماع لبناني على رفض توريط البلد في حرب مدمّرة..واستعراض “السلاح السنيّ” في المناطق السنيّة إنّما يغطّي ذاك “السلاح الشيعيّ” المتفلّت عن الشرعية الوطنية وعن المصلحة اللبنانية؟
لا قضية تبرّر إنزلاق الجماعة الإسلامية في حرب تدفع فيها الثمن دون أن تكون شريكة في القرار وفي النتائج..لا شيء يبرّر للجماعة ما قام به ملثّموها من فوضى ورصاص أدّى إلى سقوط جريحين على الأقلّ في بلدة الشهيدين، دون أن يؤدّي ذلك إلى ارتفاع أسهمها في الشارع السنّي أو اللبنانيّ..ولعلّ أبرز دليل على رجحان الخسائر لا الأرباح، ما ردّده والد الطفلة التي أصابتها رصاصة طائشة في رأسها:”ألا كسّر الله أيدي مطلقيها”، وما اضطرّ عضو مكتبها السياسي رئيس بلدية ببنين كفاح الكسار إلى التبرّؤ من الفاعلين، نافياً أن يكونوا من عناصر الجماعة أو من شباب البلدة !!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top